{وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ}أي وإنه الحال والشأن كان قوم شعيب - وهم أصحاب الأيكة أي الشجر الكثير الملتف - لظالمين بتكذيبهم شعيباً، وقطعهم الطريق، وتطفيفهم المكيال والميزان {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} أي أهلكناهم بالرجفة وعذاب يوم الظُلَّة، قال المفسرون: اشتد الحر عليهم سبعة أيام حتى قربوا من الهلاك، فبعث الله عليهم سحابة كالظلة، فالتجؤوا إليها واجتمعوا تحتها للتظلل بها، فبعث الله عليهم منها ناراً فأحرقتهم جميعاً {وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ} أي وإن قرى قوم لوط وشعيب لطريق واضح أفلا تعتبرون بهم يا أهل مكة؟ {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ} هذه هي القصة الرابعة وهي قصة صالح عليه السلام أي كذبت ثمود نبيَّهم صالحاً - والحجرُ وادٍ بين المدينة والشام وآثاره باقية يمرُّ عليها المسافرون -قال البيضاوي: ومن كذَّب واحداً من الرسل فكأنما كذب الجميع ولذا قال {الْمُرْسَلِينَ} {وَءاتَيْنَاهُمْ ءايَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} أي وأريناهم معجزاتنا الدالة على قدرتنا مثل الناقة وما فيها من العجائب فكانوا لا يعتبرون بها ولا يتَّعظون، قال ابن عباس: كان في الناقة آيات: خروجُها من الصخرة، ودنوُّ ولادتها عند خروجها، وعظمُ خَلْقها فلم تشبهها ناقة، وكثرةُ لبنها حتى كان يكفيهم جميعاً فلم يتفكروا فيها ولم يستدلوا بها {وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ} أي كانوا ينقبون الجبال فيبنون فيها بيوتاً آمنين يحسبون أنها تحميهم من عذاب الله {فَأَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ} أي أخذتهم صيحة الهلاك حين أصبحوا {فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} أي ما دفع عنهم عذابَ الله وما كانوا يشيدونه من القلاع والحصون {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ} أي وما خلقنا الخلائق كلَّها سماءها وأرضها وما بينهما إلا خلقاً ملتبساً بالحق، فلذلك اقتضت الحكمة إهلاك أمثال هؤلاء المكذبين لئلا يعم الفساد {وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} أي وإن القيامة لآتيةٌ لا محالة فيُجازى المحسنُ بإحسانه، والمسيء بإساءته، فأعرضْ يا محمد عن هؤلاء السفهاء وعاملهم معاملة الحليم {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ} أي الخالق لكل شيء، العليمُ بأحوال العباد. سبب النزول: نزول الآية (95): {إنا كفيناك}: أخرج البزار والطبراني عن أنس بن مالك قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على أناس بمكة، فجعلوا يغمزون في قفاه، ويقولون: هذا الذي يزعم أنه نبي، ومعه جبريل، فغمز جبريل بأصبعه، فوقع مثل الظفر في أجسادهم، فصارت قروحاً حتى نتنوا، فلم يستطع أحد أن يدنو منهم، فأنزل الله: {إنا كفيناك المستهزئين}. عطايا الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، وأمره بالجهر بدعوته {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} أي ولقد أعطيناك يا محمد سبع آيات هي الفاتحة لأنها تثنّى أي تكرر قراءتها في الصلاة وفي الحديث (الحمدُ للهِ رب العالمين هي السبعُ المثاني والقرءان العظيمُ الذي أوتيتُه) وقيل: هي السور السبع الطوال، والأول أرجح {وَالقرءان الْعَظِيمَ} أي وآتيناك القرءان العظيم الجامع لكمالات الكتب السماوية {لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ} أي لا تنظر إلى ما متعنا به بعض هؤلاء الكفار، فإن الذي أعطيناك أعظم منها وأشرف وأكرم، وكفى بإِنزال القرءان عليك نعمة {وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} أي لا تحزن لعدم إيمانهم {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} أي تواضعْ لمن آمن بك من المؤمنين وضعفائهم {وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ} أي قل لهم يا محمد أنا المنذر من عذاب الله، الواضح البيِّن في الإِنذار لمن عصى أمر الجبار {كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ} الكاف للتشبيه والمعنى أنزلنا عليك القرءان كما أنزل على أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى الذين آمنوا ببعض كتابهم وكفروا ببعضه، فانقسموا إلى قسمين {الَّذِينَ جَعَلُوا القرءان عِضِينَ} أي جعلوا القرءان أجزاءً متفرقة وقالوا فيه أقوالاً مختلفة،قال ابن عباس: آمنوا ببعضٍ وكفروا ببعض، وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن صنيع قومه بالقرءان وتكذيبهم له بقولهم سحر، وشعر، وأساطير، بأن غيرهم من الكفرة فعلوا بغيره من الكتب مثل فعل كفار مكة {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} أي فأقسمُ بربك يا محمد لنسألنَّ الخلائق أجمعين {عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} عما كانوا يعملون في الدنيا {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} أي فاجهر بتبليغ أمر ربك، ولا تلتفت إلى ما يقول المشركون {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} أي كفيناك شرَّ أعدائك المستهزئين بإهلاكنا إياهم وكانوا خمسة من صناديد قريش {الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} أي الذين أشركوا مع الله غيره من الأوثان والأصنام {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} وعيدٌ وتهديد أي سوف يعلمون عاقبة أمرهم في الدارين {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} أي يضيق صدرك بالاستهزاء والتكذيب {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} أي فافزع فيما نالك من مكروه إلى التسبيح والصلاة والإِكثار من ذكر الله {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} أي اعبد ربك يا محمد حتى يأتيك الموت، سمي يقيناً لأنه متيقن الوقوع والنزول.
سورة الحجر
مصحف : عبد الباسط عبد الصمد
سبب النزول: نزول الآية (45): {إِنَّ الْمُتَّقِينَ }: أخرج الثعلبي عن سلمان الفارسي أنه لما سمع قوله تعالى: {وإن جهنم لموعدهم أجمعين} فرّ ثلاثة أيام هارباً من الخوف، لا يعقل، فجيء به للنبي صلى الله عليه وسلم، فسأله فقال: يا رسول الله، أنزلت هذه الآية: {وإن جهنم لموعدهم أجمعين} فوالذي بعثك بالحق، لقد قطَّعت قلبي، فأنزل الله: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}. نزول الآية (47): {وَنَزَعْنَا ..}: أخرج ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} قيل: وأي غل؟ قال: غل الجاهلية، إن بني تميم، وبني عدي، وبني هاشم كان بينهم في الجاهلية عداوة، فلما أسلم هؤلاء القوم تحابوا، فأخذت أبا بكر الخاصرة، فجعل علي يسخن يده، فيكمد بها خاصرة أبي بكر، فنزلت هذه الآية. {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} أي إن الذين اتقوا الفواحش والشرك لهم في الآخرة البساتين الناضرة، والعيون المتفجرة بالماء والسلسبيل والخمر والعسل {ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ} أي يقال لهم: أُدخلوا الجنة سالمين من كل الآفات، آمنين من الموت ومن زوال هذا النعيم {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} أي أزلنا ما في قلوب أهل الجنة من الحقد والبغضاء والشحناء {إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} أي حال كونهم إخوةً متحابين لا يكدّر صفوهم شيء، على سررٍ متقابلين وجهاً لوجه، قال مجاهد: لا ينظر بعضُهم إلى قفا بعض زيادةً في الأنس والإِكرام، وقال ابن عباس: على سررٍ من ذهب مكلَّلة بالدر والياقوت والزبرجد {لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ} أي لا يصيبهم في الجنة إعياءٌ وتعب {وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ} أي لا يُخْرجون منها ولا يُطردون، نعيمهم خالد، وبقاؤهم دائم، لأنها دار الصفاء والسرور. {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغفُورُ الرَّحِيمُ} أي أخبر يا محمد عبادي المؤمنين بأني واسع المغفرة والرحمة لمن تاب وأناب {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ} أي وأخبرهم أنَّ عذابي شديد لمن أصرَّ على المعاصي والذنوب،قال أبو حيان: وجاء قوله{وَأَنَّ عَذَابِي} في غاية اللطف إذ لم يقل على وجه المقابلة (وأني المعذّب المؤلم) وكل ذلك ترجيح لجهة العفو والرحمة. سبب النزول: أخرج الطبراني عن عبد الله بن الزبير قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفر من أصحابه يضحكون، فقال: "أتضحكون، وذِكْر الجنة والنار بين أيديكم، فنزلت هذه الآية: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم، وأن عذابي هو العذاب الأليم}". {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} أي وأخبرهم عن قصة ضيوف إبراهيم، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله لإِهلاك قوم لوط، وكانوا عشرة على صورة غلمانٍ حسانٍ معهم جبريل {إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا} أي حين دخلوا على إبراهيم فسلَّموا عليه {قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ} أي قال إبراهيم إنّا خائفون منكم، وذلك حين عرض عليهم الأكل فلم يأكلوا {قَالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} أي قالت الملائكة لا تخف فإنا نبشرك بغلام واسع العلم، عظيم الذكاء، هو إسحاق {قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِي الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} أي قال إبراهيم أبشرتموني بالولد على حالة الكبر والهرم، فبأي شيء تبشروني؟ قال ذلك على وجه التعجب والاستبعاد {قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ} أي بشرناك باليقين الثابت فلا تستبعدْه ولا تيأس من رحمة الله {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ} استفهام إنكاري أي لا يقنط من رحمة الله إلا المخطئون طريق المعرفة والصواب، الجاهلون برب الأرباب، أما القلب العامر بالإِيمان، المتصل بالرحمن، فلا ييأس ولا يقنط، قال البيضاوي: وكان تعجب إبراهيم عليه السلام باعتبار العادة دون القدرة فإنَّ الله تعالى قادرٌ على أن يخلق بشراً من غير أبوين، فكيف من شيخ فانٍ وعجوزٍ عاقر؟ ولذلك أجابهم بذلك الجواب {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ} أي قال إبراهيم ما شأنكم وما أمركم الذي جئتم من أجله أيها الملائكة الكرام؟ {قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ} أي أرسلنا ربنا إلى قومٍ مشركين ضالين لإِهلاكهم يعنون قوم لوط {إِلا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ} أي إلا أتباعَ لوط وأهلَه المؤمنين، فسننجيهم من ذلك العذاب أجمعين {إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنْ الْغَابِرِينَ} أي إلا امرأة لوط فقد قدَّر الله بقاءها في العذاب مع الكفرة الهالكين،قال القرطبي: استثنى من آل لوط امرأته وكانت كافرة فالتحقت بالمجرمين في الهلاك {فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ} أي فلما أتى رسلُ الله لوطاً عليه السلام {قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ} أي قال لهم إنكم قوم لا أعرفكم فماذا تريدون؟ {قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ} أي قالوا له بل نحن رسل، جئناك بما كان فيه قومك يشكُّون فيه وهو نزول العذاب الذي وعدتهم به {وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} أي أتيناك بالحق اليقين من عذابهم وإنا لصادقون فيما نقول {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} أي سرْ بأهلك في طائفةٍ من الليل {وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ} أي كنْ من ورائهم وسرْ خلفهم لتطمئنَّ عليهم {وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ} أي لا يلتفتْ أحد منكم وراءه لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم فيرتاع {وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} أي سيروا حيث يأمركم الله عز وجل، قال ابن عباس: يعني الشام {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ} أي أوحينا إلى لوط ذلك الأمر العظيم، أولئك المجرمين سيُستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحدٌ {مُصْبِحِين} أي إذا دخل الصباح تمَّ هلاكهم واستئصالهم {وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ} أي جاء أهل مدينة سدوم - وهم قوم لوطٍ - مسرعين يستبشرون بأضيافه، طمعاً في ارتكاب الفاحشة بهم، ظناً منهم أنهم أناسٌ أمثالهم،قال المفسرون: أُخبر أولئك السفهاء أن في بيت لوطٍ شباناً مرداً حساناً فأسرعوا فرحين يبشّر بعضهم بعضاً بأضياف لوط {قَالَ إِنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ} أي هؤلاء ضيوفي فلا تقصدوهم بسوء فتُلحقوا بي العار وتفضحوني أمامهم {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ} أي خافوا الله أن يحلَّ بكم عقابه، ولا تهينوني بالتعرض لهم بالمكروه {قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ} أي قالوا ألم نمنعك عن ضيافة أحد؟ قال الرازي: المعنى ألسنا قد نهيناك أن تكلمنا في أحدٍ من الناس إذا قصدناه بالفاحشة؟ {قَالَ هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} أي هؤلاء النساء فتزوجوهنَّ ولا تركنوا إلى الحرام إن كنتم تريدون قضاء الشهوة،قال المفسرون: المراد بقوله {بناتي} بناتُ أمته لأن كل نبيٍّ يعتبر أباً لقومه {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي وحياتك يا محمد إن قوم لوط لفي ضلالهم وجهلهم يتخبطون ويترددون، وهذه جملة اعتراضية جاءت ضمن قصة لوط قسماً بحياة الرسول صلى الله عليه وسلم تكريماً له وتشريفاً، قال ابن عباس: "وما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفساً أكرمَ على الله من محمد صلى الله عليه وسلم وما سمعتُ اللهَ أقسم بحياة أحدٍ غيره {فَأَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ} أي أخذتهم صيحةُ العذاب المهلكة المدمرة وقت شروق الشمس {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} أي قلبناها بهم فجعلنا أعالي المنازل أسافلها، قال المفسرون: حمل جبريل عليه السلام قريتهم واقتلعها من جذورها، حتى رأوا الأفلاك وسمعوا تسبيح الأملاك ثم قلبها بهم {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} أي أنزلنا عليهم حجارة كالمطر من طين طبخ بنار جهنم {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} أي فيما حلَّ بهم من الدمار والعذاب لدلالات وعلامات للمعتبرين، المتأملين بعين البصر والبصيرة {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ} أي وإن هذه القرى المهلكة، وما ظهر فيها من آثار قهر الله وغضبه، لبطريقٍ ثابتٍ لم يندرس، يراها المجتازون في أسفارهم أفلا يعتبرون؟ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} أي لعبرةً للمصدّقين. سورة الحجر للشيخ عبد البـــــــاسط عبد الصمد
البراهين الدالة على وحدانيته وقدرته تعالى ثم ذكر تعالى البراهين الدالة على وحدانيته وقدرته فقال{وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا} أي جعلنا في السماء منازل تسير فيها الأفلاك والكواكب {وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} أي زيناها بالنجوم ليُسرَّ الناظر إليها {وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} أي حفظنا السماء الدنيا من كل شيطان لعين مطرود من رحمة الله {إِلا مَنْ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ} أي إلا من اختلس شيئاً من أخبار السماء فأدركه ولحقه شهاب ثاقب فأحرقه {وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ} أي بسطناها ووسعناها وجعلنا فيها جبالاً ثوابت {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} أي أنبتنا في الأرض من الزروع والثمار من كل شيءٍ موزون بميزان الحكمة، بدقةٍ وإحكام وتقدير {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} أي ما تعيشون به من المطاعم والمشارب {وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ} أي وجعلنا لكم من العيال والمماليك والأنعام من لستم له برازقين، لأننا نخلق طعامهم وشرابهم لا أنتم {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ} أي ما من شيء من أرزاق الخلق والعباد ومنافعهم إلا عندنا خزائنه ومستودعاته {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} أي ولكن لا ننزله إلا على حسب حاجة الخلق إليه، وعلى حسب المصالح، كما نشاء ونريد {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} أي تلقَّح السحاب فيدر ماءً، وتلقّح الشجر فيتفتَّح عن أوراقه وأكمامه، فالريح كالفحل للسحاب والشجر {فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} أي فأنزلنا من السحاب ماءً عذباً، جعلناه لسقياكم ولشرب أرضكم ومواشيكم {وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} أي لستم بقادرين على خزنه بل نحن بقدرتنا نحفظه لكم في العيون والآبار والأنهار، ولو شئنا لجعلناه غائراً في الأرض فهلكتم عطشاً كقوله {قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماءٍ معين}؟ {وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ} أي الحياة والموت بيدنا ونحن الباقون بعد فناء الخلق، نرث الأرض ومن عليها وإلينا يُرجعون {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ} أي أحطنا علماً بالخلق أجمعين، الأموات منهم والأحياء، قال ابن عباس: المستقدمون كل من هلك من لدن آدم عليه السلام والمستأخرون من هو حي ومن سيأتي إلى يوم القيامة، وقال مجاهد: المستقدمون: الأمم السابقة، والمستأخرون أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والغرضُ أنه تعالى محيطٌ علمه بمن تقدم وبمن تأخر، لا يخفى عليه شيء من أحوال العباد، وهو بيان لكمال علمه بعد الاحتجاج على كمال قدرته {وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ} أي وإن ربك يا محمد هو يجمعهم للحساب والجزاء {إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} أي حكيمٌ في صنعه عليمٌ بخلقه. مبدأ خلق الإنسان، وقدرة الله على الإحياء والإماتة ، وعداوة إبليس لبني آدم ولما ذكر تعالى الموت والفناء، والبعث والجزاء، نبههم إلى مبدأ أصلهم وتكوينهم من نفسٍ واحدة، ليشير إلى أن القادر على الإِحياء قادر على الإِفناء والإِعادة، وذكّرهم بعداوة إبليس لأبيهم آدم ليحذروه فقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ} أي خلقنا آدم من طين يابسٍ يسمع له صَلْصلة أي صوت إذا نُقر {مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} أي من طين أسود متغيّر {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} أي ومن قبل آدم خلقنا الجانَّ - أي الشياطين ورئيسهم إبليس - من نار السموم وهي النار الحارة الشديدة التي تنفذ في المسامّ فتقتل بِحرها، قال المفسرون: عني بالجانِّ هنا "إبليس" أبا الجنِّ لأن منه تناسلت الجن فهو أصل لها كما أن آدم أصل للإِنس {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} أي اذكر يا محمد وقت قول ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين يابسٍ، أسود متغيّر،قال ابن كثير: فيه تنويهٌ بذكر آدم في الملائكة قبل خلقه له، وتشريفه إيّاه بأمر الملائكة بالسجود له، وامتناع إبليس عدوه عن السجود له حسداً وكفراً {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} أي سويت خَلْقه وصورته، وجعلته إنساناً كاملاً معتدل الأعضاء {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} أي أفضتُ عليه من الروح التي هي خلقٌ من خلقي فصار بشراً حياًُ {فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} أي خروا له ساجدين، سجود تحيةٍ وتكريم لا سجود عبادة، قال المفسرون: وإنما أضاف الروح إليه تعالى على سبيل التشريف والتكريم كقوله "بيت الله، ناقة الله! شهر الله" وهي من إضافة الملك إلى المالك، والصنعة إلى الصانع {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} أي سجد لآدم جميع الملائكة لم يمتنع منهم أحد {إِلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} الاستثناء منقطع لأن إبليس خلقٌ آخر غير الملائكة، فهو من نار وهم من نور، وهم لا يعصون الله ما أمرهم وهو أبى وعصى، فليس هو من الملائكة بيقين، ولكنه كان بين صفوفهم فتوجه إليه الخطاب والمعنى: سجد جميع الملائكة لكنْ إبليس امتنع من السجود بعد أن صدر له الأمر الإِلهي {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} أي ما المانع لك من السجود؟ وأيُّ داعٍ دعا بك إلى الإِباء والامتناع؟ وهو استفهام تبكيتٍ وتوبيخ {قَالَ لَمْ أَكُنْ لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} أي قال إبليس: لا ينبغي ولا يليق لمثلي أن يسجد لآدم وهو مخلوق من طينٍ يابسٍ متغير، فهو من طينٍ وأنا من نار فكيف يسجد العظيم للحقير، والفاضل للمفضول؟ رأى عدوُّ الله نفسه أكبر من أن يسجد لآدم، ومنعه كبره وحسده عن امتثال أمر الله {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} أي اخرجْ من السماوات فإنك مطرودٌ من رحمتي {وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} أي وإن عليك لعنتي إلى يوم الجزاء والعقوبة {قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} أي قال اللعين: أمهلني وأخرني إلى يوم البعث {قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} أي قال له الله: إنك من المؤجلين إلى حين موتِ الخلائق، قال القرطبي: أراد بسؤاله الإِنظار - إلى يوم يبعثون - ألا يموت، لأن البعث لا موتَ بعده، فأجابه المولى بالإِنظار إلى يوم الوقت المعلوم وهو يوم موت الخلائق، فيموت إبليس ثم يُبعث {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي} أي بسبب إغوائك وإضلالك لي {لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ} أي لأزينَّن لذرية آدم المعاصي والآثام {وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} أي ولأضلَّنهم عن طريق الهدى أجمعين {إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ} أي إلا من استخلصته من عبادك لطاعتك ومرضاتك فلا قدرة لي على إِغوائه {قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ} أي قال تعالى: هذا طريق مستقيم واضح، وسنة أزليةٌ لا تتخلف وهي {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} أي إن عبادي المؤمنين لا قوة لك على إضلالهم {إِلا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} استثناء منقطع لأن الغاوين ليسوا من عباد الله المخلصين والمعنى لكنْ من غوى وضل من الكافرين فلك عليهم تسلط، لأن الشيطان إنما يتسلط على الشاردين عن الله، كما يتسلط الذئب على الشاردة من القطيع {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} أي موعد إبليس وأتباعه جميعاً {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ} أي لجهنم سبعة أبواب يدخلون منها لكثرتهم وروي عن عليّ أنها أطباقٌ، طبقٌ فوق طبق وأنها دركاتٌ بعضها أشد من بعض {لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ} أي لكل جماعة من أتباع إبليس بابٌ معينٌ معلوم، قال ابن كثير: كلٌ يدخل من بابٍ بحسب عمله، ويستقر في دَرَكٍ بقدر عمله.
سورة الحجر
مصحف : عبد الباسط عبد الصمد
بَين يَدَي السُّورَة * سورة الحِجْر من السور المكية، التي تستهدف المقاصد الأساسية للعقيدة الإِسلامية "الوحدانية، النبوة، البعث و الجزاء" ومحور السورة يدور حول مصارع الطغاة والمكذبين لرسل الله في شتَّى الأزمان والعصور، ولهذا ابتدأت السورة بالإِنذار والتهديد، ملفَّعاً بظلٍ من التهويل والوعيد {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمْ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}. * عرضت السورة لدعوة الأنبياء، وبينت موقف أهل الشقاوة والضلالة من الرسل الكرام، فما من نبيٍّ إلا سخر منه قومه الضالون، من لدن بعثة شيخ الأنبياء "نوح" عليه السلام، إلى بعثة خاتم المرسلين، وقد بينت السورة أن هذه سنة المكذبين، في كل زمان وحين {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ* وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ..} الآيات. * وعرضت السورة إلى الآيات الباهرات، المنبثة في صفحة هذا الكون العجيب، الذي ينطق بآثار اليد المبدعة، ويشهد بجلال عظمة الخالق الكبير، بدءاً بمشهد السماء، فمشهد الأرض، فمشهد الرياح اللواقح، فمشهد الحياة والموت، فمشهد الحشر والنشر، وكلُّها ناطقة بعظمة الله وجلاله، وشاهدة بوحدانيته وقدرته {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ..} الآيات. * وعرضت السورة إلى قصة "البشرية الكبرى" قصة الهدى والضلال ممثلة في خلق آدم عليه السلام، وعدوه اللدود إبليس اللعين، وما جرى من سجود الملائكة لآدم، واستكبار إبليس عن السجود، واعتراضه على أمر الله وتوعده لذرية آدم {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ..} الآيات. * ومن قصة آدم تنتقل السورة إلى قصص بعض الأنبياء، تسليةً لرسول الله عليه السلام، وتثبيتاً لقلبه الشريف لئلا يتسرب إليه اليأس والقنوط، فتذكر قصة لوط، وشعيب، وصالح عليهم السلام، وما حل بأقوامهم المكذبين. * وتختم السورة الكريمة بتذكير الرسول صلى الله عليه وسلم بالنعمة العظمى عليه، بإنزال هذا الكتاب المجيد المعجز، وتأمره بالصبر والسلوان على ما يلقاه من أذى المشركين، وتبشره بقرب النصر له وللمؤمنين {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالقرءان الْعَظِيمَ..} إلى آخر السورة الكريمة. التســميَــة : سميت السورة الكريمة "سورة الحِجر" لأن الله تعالى ذكر ما حدث لقوم صالح، وهم قبيلة ثمود - وديارهم في الحِجر بين المدينة والشام - فقد كانوا أشداء ينحتون الجبال ليسكنوها، وكأنهم مخلدون في هذه الحياة، لا يعتريهم موت ولا فناء، فبينما هم آمنون مطمئنون جاءتهم صيحة العذاب في وقت الصباح {فَأَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ * فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}. {الر} إشارة إلى إعجاز القرءان أي هذا الكتاب العجيب المعجز كلام الله تعالى وهو منظوم من أمثال هذه الحروف الهجائية الألف واللام والراء {تِلْكَ ءايَاتُ الْكِتَابِ} أي هذه ءايات الكتاب، الكامل في الفصاحة والبيان، المتعالي عن الطاقة البشرية، {وَقُرْآنٍ مُبِينٍ} أي قرآنٍ عظيم الشأن، واضح بيّن، لا خلل فيه ولا اضطراب {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي ربما تمنى الكفار {لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} أي لو كانوا في الدنيا مسلمين، وذلك عند معاينة أهوال الآخرة {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا} أي دَعْهم يا محمد يأكلوا كما تأكل البهائم، ويستمتعوا بدنياهم الفانية {وَيُلْهِهِمْ الأَمَلُ} أي يشغلهم الأمل بطول الأجل، عن التفكر فيما ينجيهم من عذاب الله {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} أي عاقبة أمرهم إذا رأوا القيامة وذاقوا وبال ما صنعوا، وهو وعيد وتهديد {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ} أي وما أهلكنا أهل قرية من القرى الظالمة التي كذبت رسل الله {إِلا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} أي إلا لها أجل محدود لإِهلاكها {مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا} أي لا يتقدم هلاك أمةٍ قبل مجيء أوانه {وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} أي ولا يتأخر عنهم،قال ابن كثير: وهذا تنبيهٌ لأهل مكة وإِرشاد لهم إلى الإِقلاع عما هم عليه من العِناد والإِلحاد الذي يستحقون به الهلاك. تقولات المشركين على الرسول صلى الله عليه وسلم وإفحامهم سبب النزول: قال قتادة: القائلون هذه المقالة هم عبد الله بن أبي أمية، والنضر بن الحارث، ونوفل بن خويلد، والوليد بن المغيرة من صناديد قريش.
سورة الحجر
مصحف : عبد الباسط عبد الصمد
وينتقل السياق إِلى مشاهد القيامة وما فيها من الأهوال حين تتزلزل القلوب والأقدام {وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} أي لا تظننَّ يا محمد أنَّ الله ساهٍ عن أفعال الظلمة، فإِن سنة الله إِمهال العصاة ثم يأخذهم أخذ عزيزٍ مقتدر، قال ميمون بن مِهْران: هذا وعيدٌ للظالم، وتعزيةٌ للمظلوم {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ} أي إِنما يؤخرهم ليومٍ رهيب عصيب، تَشْخص فيه الأبصار من الفزع والهَلع، فتظلُّ مفتوحة مبهوتة لا تطرف ولا تتحرك، قال أبو السعود: تبقى أبصارهم مفتوحة لا تتحرك أجفانهم من هول ما يرونه . {مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ} أي مسرعين لا يلتفتون إِلى شيء رافعين رؤوسهم مع إِدامة النظر، قال الحسن: وجوه الناس يومئذٍ إِلى السماء لا ينظر أحدٌ إِلى أحد {لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ} أي لا يطرفون بعيونهم من الخوف والجزع {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} أي قلوبهم خالية من العقل لشدة الفزع {وَأَنذِرْ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ الْعَذَابُ} أي خوّف يا محمد الكفار من هول يوم القيامة حين يأتيهم العذاب الشديد {فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} أي فيتوجه الظالمون يومئذٍ إلى الله بالرجاء يقولون يا ربنا أمهلنا إِلى زمنٍ قريب لنستدرك ما فات {نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعْ الرُّسُلَ} أي نجب دعوتك لنا إِلى الإِيمان ونتّبع رسلك فيما جاؤونا به . {أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} أي يقال لهم توبيخاً وتبكيتاً: ألم تحلفوا أنكم باقون في الدنيا لا تنتقلون إِلى دار أخرى؟ والمراد إِنكارهم للبعث والنشور {وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} أي سكنتم في ديار الظالمين بعد أن أهلكناهم، فهلاَّ اعتبرتم بمساكنهم؟ {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} أي تبيَّن لكم بالإِخبار والمشاهدة كيف أهلكناهم وانتقمنا منهم {وَضَرَبْنَا لَكُمْ الأَمْثَالَ} أي بينا لكم الأمثال في الدنيا فلم تعتبروا {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ} أي مكر المشركون بالرسول وبالمؤمنين حين أرادوا قتله {وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ} أي وعند الله جزاء هذا المكر فإِنه محيط بهم وبمكرهم {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} أي وإِن كان مكرهم من القوة والتأثير حتى ليؤدي إِلى زوال الجبال ولكنَّ الله عصَم ووقى منه . {فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} أي لا تظننَّ أيها المخاطب أن الله يخلف رسله ما وعدهم به من النصر وأخذ الظالمين المكذبين {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ} أي إِنه تعالى غالبٌ لا يعجزه شيء منتقم ممن عصاه {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} أي ينتقم من أعدائه يوم الجزاء، يوم تتبدل هذه الأرض أرضاً أخرى، وتتبدل السماوات سموات أخرى. قال ابن مسعود: تُبدَّل الأرضُ بأرضٍ كالفضة نقية، لم يسفك فيها دم، ولم يعمل عليها خطيئة . {وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} أي خرجت الخلائق جميعها من قبورهم، ومثلوا أمام أحكم الحاكمين، لا يسترهم ساتر، ولا يقيهم واقٍ، ليسوا في دورهم ولا في قبورهم، وإِنما هم في أرض المحشر أمام الواحد القهار {وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ} أي وفي ذلك اليوم الرهيب تبصر المجرمين مشدودين مع شياطينهم بالقيود والأغلال، قال الطبري: أي مقرَّنة أيديهم وأرجُلهم إِلى رقابهم بالأصفاد وهي الأغلال والسلاسل {سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ} أي ثيابهم التي يلبسونها من قطران وهي مادة يسرع فيها اشتعال النار، تُطلى بها الإِبل الجربى فيحرق الجربَ بحرّه وحدته، وهو أسود اللون منتنُ الريح {وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ} أي تعلوها وتحيط بها النار، جزاء المكر والاستكبار {لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ} أي برزوا يوم القيامة لأحكم الحاكمين ليجازيهم الله على أعمالهم، المحسنَ بإِحسانه، والمسيءَ بإِساءته {إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} أي لا يشغله شأن عن شأن، يحاسب جميع الخلق في أعجل ما يكون من الزمان، في مقدار نصف نهار من أيام الدنيا كما ورد به الأثر . {هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ} أي هذا القرآن بلاغٌ لجميع الخلق من إنس وجان، أَنزل لتبليغهم بما فيه من فنون العبر والعظات {وَلِيُنذَرُوا بِهِ} أي لكي يُنصحوا به ويخوّفوا من عقاب الله {وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} أي ولكي يتحققوا فيما فيه من الدلائل الواضحة والبراهين القاطعة، على أنه تعالى واحد أحدٌ، فردٌ صمد {وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} أي وليتعظ بهذا القرآن أصحاب العقول السليمة، وهم السعداء أهل النُّهى والصلاح.
سورة إبراهيم
مصحف : عبد الباسط عبد الصمد
دلائل وجوده تعالى ونعمه على عباده ولما أطال الكلام في وصف أحوال السعداء والأشقياء ختم ذلك بذكر الدلائل الدالة على وجود الخالق الحكيم فقال {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} أي أبدعهما واخترعهما على غير مثال سبق {وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} أي أنزل من السحاب المطر {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} أي أخرج بالمطر من أنواع الزروع والثمار رزقاً للعباد يأكلونه {وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} أي ذلَّل السفن الكبيرة لتسير بمشيئته، تركبونها وتحملون فيها أمتعتكم من بلد إِلى بلد {وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ} أي الأنهار العذبة لتشربوا منها وتسقوا وتزرعوا {وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ} أي وذلَّل لكم الشمس والقمر يجريان بانتظام لا يفتران، لصلاح أنفسكم ومعاشكم {وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} أي لتسكنوا في الليل، ولتبتغوا من فضله بالنهار، هذا لمنامكم وذاك لمعاشكم . {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} أي أعطاكم كل ما تحتاجون إِليه، وما يصلح أحوالكم ومعاشكم، مما سألتموه بلسان الحال أو المقال {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} أي وإِن تعدُّوا نِعَم اللهِ عليكم لا تطيقوا حصرها وعدَّها، فهي أكبر وأكثر من أن يحصيها عدد {إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} الإِنسان اسم جنس أي إن الإِنسان لمبالغٌ في الظلم والجحود، ظالمٌ لنفسه بتعديه حدود الله، جحودٌ لنعم الله، وقيل: ظلوم في الشدة يشكو ويجزع، كفَّار في النعمة يجمع ويمنع. دعاء نبي الله إبراهيم عليه السلام {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} أي اجعل مكة بلد أمنٍ يأمن أهله وساكنوه {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ} أي احمني يا رب وجنبني وأولادي عبادة الأصنام، والغرضُ تثبيتُه على ملة التوحيد والإِسلام {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} أي يا ربّ إِنَّ هذه الأصنام أضلَّت كثيراً من الخلق عن الهداية والإِيمان {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} أي فمن أطاعني وتبعني على التوحيد فإِنه من أهل ديني {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أي ومن خالف أمري فإِنك يا رب غفار الذنوب رحيمٌ بالعباد . {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي} كرّر النداء رغبةً في الإِجابة وإِظهاراً للتذلل والإِلتجاء إلى الله تعالى أي يا ربنا إني أسكنت من أهلي - ولدي إسماعيل وزوجي هاجر- {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} أي بوادٍ ليس فيه زرع في جوار بيتك المحرم، وهو وادي مكة شرفها الله تعالى {رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً} أي يا ربنا لكي يعبدوك ويقيموا الصلاة أسكنتهم بهذا الوادي فاجعل قلوبَ الناسِ تحنُّ وتسرع إِليهم شوقاً،قال ابن عباس: لو قال (أفئدة الناس) لازدحمت عليه فارس والروم والناسُ كلهم، ولكنْ قال {مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} فهم المسلمون {وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} أي وارزقهم في ذلك الوادي القفر من أنواع الثمار ليشكروك على جزيل نِعمك، وقد استجاب الله دعاءه، فجعل مكة حرماً آمناً يجبى إليها ثمرات كل شيء رزقاً من عند الله . {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} أي يا ربنا إِنك العالم لما في القلوب تعلم ما نسرُّ وما نظهر {وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ} أي لا يغيب عليه تعالى شيء في الكائنات، سواء منها ما كان في الأرض أو في السماء، فكيف تخفى عليه وهو خالقها وموجدها؟ {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} أي الحمد لله الذي رزقني على كبر سني وشيخوختي إِسماعيل وإِسحاق. قال ابن عباس: ولد له إِسماعيل وهو ابن تسعٍ وتسعين، وولد له إِسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} أي مجيبٌ لدعاء من دعاه. {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} هذه هي الدعوة السادسة من دعوات الخليل عليه السلام أي يا رب اجعلني ممن حافظ على الصلاة واجعل من ذريتي من يقيمها أيضاً، وهذه خير دعوةٍ يدعوها المؤمن لأولاده فلا أحبَّ له من أن يكون مقيماً للصلاة هو وذريته لأنها عماد الدين {رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} أي تقبَّلْ واستجبْ دعائي فيما دعوتك به .
سورة إبراهيم
مصحف : عبد الباسط عبد الصمد
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} هذا مثلٌ ضربه الله لكلمة الإِيمان وكلمة الإِشراك، فمثَّل لكلمة الإِيمان بالشجرة الطيبة، ولكلمة الإِشراك بالشجرة الخبيثة، قال ابن عباس: الكلمة الطيبة "لا إِله إِلا الله" والشجرة الطيبة "المؤمن" {أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} أي أصلها راسخ في الأرض وأغصانها ممتدة نحو السماء . {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} أي تعطي ثمرها كلَّ وقت بتيسير الخالق وتكوينه، كذلك كلمة الإِيمان ثابتة في قلب المؤمن، وعملُه يصعد إِلى السماء ينال بركته وثوابه في كل وقت {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي يبيّن لهم الأمثال لعلهم يتعظون فيؤمنون. {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ} أي ومثل كلمة الكفر الخبيثة كشجرة الحَنْظل الخبيثة {اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ} أي استؤصلت من جذورها واقتلعت من الأرض لعدم ثبات أصلها {مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ} أي ليس لها استقرارٌ وثبات، كذلك كلمة الكفر لا ثبات لها ولا فرع ولا بركة، قال ابن الجوزي: شُبه ما يكسبه المؤمن من بركة الإِيمان وثوابه في كل وقت بثمرتها المجتناة في كل حين، فالمؤمن كلما قال "لا إِله إِلا الله" صعدت إِلى السماء ثم جاء خيُرها ومنفعتها، والكافر لا يُقبل عمله ولا يصعد إِلى الله تعالى، لأنه ليس له أصل في الأرض ثابت، ولا فرع في السماء . {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي يثبتهم على كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" وعلى الإِيمان في هذه الحياة فلا يزيغون ولا يُفْتنون {وَفِي الآخِرَةِ} أي عند سؤال الملكين في القبر كما في الحديث الشريف (المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فذلك قوله تعالى {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا } .. الآية {وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ} أي لا يهديهم في الحياة ولا عند سؤال الملكين وقت الممات{وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} أي من هداية المؤمن وإِضلال الكافر لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون. التحذير من عصيان الله، والأمر بالصلاة والإنفاق سبب النزول: نزول الآية (28): {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا..} قال ابن عباس: هؤلاء هم كفار مكة. وأخرج الحاكم وابن جرير والطبراني وغيرهم عن عمر وعلي رضي الله عنهما أنهما قالا في المبدّلين: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة، وبنو أمية، فأما بنو المغيرة فقطع الله تعالى دابرهم يوم بدر - أو فكفيتموهم - وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين. {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا} استفهام للتعجيب أي ألا تعجب أيها السامع من أولئك الذين غيَّروا نعمة الله بالكفر والتكذيب؟ قال المفسرون: هم كفار مكة فقد أسكنهم الله حرمه الآمن، وجعل عيشهم في السِّعة، وبعث فيهم محمداً صلى الله عليه وسلم فلم يعرفوا قدر هذه النعمة، وكفروا به وكذبوه، فابتلاهم الله بالقحط والجدب {وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} أي أنزلوا قومهم دار الهلاك بكفرهم وطغيانهم ثم فسَّرها بقوله {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ} أي أحلوهم في جهنم يذوقون سعيرها وبئست جهنم مستقراً. {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ} أي جعلوا لله شركاء مماثلين عبدوهم كعبادته ليُضلوا الناس عن دين الله {قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} أي استمتعوا بنعيم الدنيا فإِن مردَّكم ومرجعكم إِلى عذاب جهنم، وهو وعيد وتهديد. {قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ} أي قل يا محمد لعبادي الذين آمنوا فلْيقيموا الصلاة المفروضة عليهم ويؤدوها على الوجه الأكمل {وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً} أي ولينفقوا مما أنعمنا عليهم به من الزرق خفيةً وجهرةً {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ} أي من قبل أن يأتي يوم القيامة الذي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا صداقة، ولا فداء ولا شفاعة..
سورة إبراهيم
مصحف : عبد الباسط عبد الصمد
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} أي قال الكفار للرسل الأطهار والله لنطردنكم من ديارنا أو لترجعنَّ إِلى ديننا {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} أي أوحى الله إِلى الرسل لأهلكنَّ أعداءكم الكافرين المتجبرين {وَلَنُسْكنَنَّكُمْ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ} أي ولأمنحنكم سكنى أرضهم بعد هلاكهم {ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} أي ذلك النصر للرسل وإِهلاك الظالمين لمن خاف مقامه بين يديّ وخاف عذابي ووعيدي، قال أبو حيّان: ولما أقسموا على إِخراج الرسل أو العودة في ملتهم أقسم تعالى على إِهلاكهم، وأي إِخراجٍ أعظم من الإِهلاك بحيث لا يكون لهم عودة إِليها أبداً. {وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} أي واستنصر الرسل بالله على قومهم وخسر وهلك كل متجبر معاند للحق {مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ} أي من وراء ذلك الكافر جهنم ويسقى فيها من ماءٍ صديد هو من قيح ودمٍ {يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ} أي يبتلعه مرة بعد مرة لمرارته، ولا يكاد يستسيغه لقبحه وكراهته {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} أي يأتيه الموت بأسبابه المحيطة به من كل مكان، ولكنَّه لا يموت ليستكمل عذابه {وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} أي ومن بين يديه عذابٌ أشدُّ مما قبله وأغلظ. {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ} أي مثلُ أعمالِ الكفار التي عملوها في الدنيا يبتغون بها الأجر من صدقةٍ وصلة رحم وغيرها مثلُ رمادٍ عصفت به الريح فجعلته هباءً منثوراً {فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} أي في يومٍ شديد هبوب الريح، قال القرطبي: ضرب الله هذه الآية مثلاً لأعمال الكفار في أنه يمحقها كما تمحق الريح الشديدة الرماد في يوم عاصف لأنهم أشركوا فيها غير الله تعالى {لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ} أي لا يقدر الكفار على تحصيل ثواب ما عملوا من البرِّ في الدنيا لإِحباطه بالكفر، كما لا يستطيع أن يحصل الإِنسان على شيء من الرماد الذي طيَّرته الريح {ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ} أي الخسران الكبير. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} أي ألم تر أيها المخاطب بعين قلبك وتتأمل ببصيرتك أنَّ اللهَ العظيم الجليل انفرد بالخلق والإِيجاد، وأنه خلق السماوات والأرض ليُستدلَّ بهما على قدرته؟ قال المفسرون: أي لم يخلقهن عبثاً وإِنما خلقهنَّ لأمرٍ عظيم {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} أي هو قادرٌ على الإِفناء كقدرته على الإِيجاد والإِحياء. قال ابن عباس: يريد أن يميتكم يا معشر الكفار ويخلق قوماً غيركم خيراً منكم وأطوع {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} أي ليس ذلك بصعبٍ أو متعذرٍ على الله، فإِنَّ القويَّ القادر لا يصعبُ عليه شيء. الحوار بين الأشقياء والشيطان وحال السعداء {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا} أي خرجوا من قبورهم يوم البعث، وظهروا للحساب لا يسترهم عن الله ساتر. قال الإِمام الفخر الرازي: ورد بلفظ الماضي {وَبَرَزُوا} وإِن كان معناه الاستقبال لأن كل ما أخبر الله تعالى عنه فهو صدقٌ وحقٌ، فصار كأنه قد حصل ودخل في الوجود، ونظيره {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ}. {فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} أي قال الأتباع والعوام للسادة الكبراء والقادة الذين أضلوهم في الدنيا {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا} أي كنا أتباعاً لكم نأتمر بأمركم {فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} أي هل أنتم دافعون عنا شيئاً من عذاب الله؟ والاستفهام للتوبيخ والتقريع {قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ} أي قال القادة معتذرين: لو هدانا الله للإِيمان لهديناكم إِليه، ولكن حصل لنا الضلال فأضللناكم فلا ينفعنا العتاب ولا الجزع {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا} أي يستوي علينا الجزع والصبر. قال الطبري: إِن أهل النار يجتمعون فيقول بعضهم لبعض: إِنما أدركَ أهلُ الجنةِ ببكائهم وتضرعهم إِلى الله فتعالوْا نبكي ونتضرع إلى الله، فبكوا فلما رأوا أن ذلك لا ينفعهم قالوا: تعالوا نصبر فصبروا صبراً لم يُر مثلُه، فلما رأوا أنه لا ينفعهم قالوا {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا} وقال مقاتل: جزعوا خمسمائة عام، وصبروا خمسمائة عام {مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} أي ليس لنا من مهرب أو ملجأ. {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ} هذه هي الخطبة البتراء التي يخطب بها إِبليس في محفل الأشقياء في جهنم أي لمّا فُرغ من الحساب ودخل أهلُ الجنةِ الجنةَ وأهلُ النارِ النارَ {إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ} أي وعدكم وعداً حقاً بإِثابة المطيع وعقاب العاصي فوفَّى لكم وعده {وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} أي وعدتكم ألاّ بعث ولا ثواب ولا عقاب فكذبتكم وأخلفتكم الوعد {وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ} أي لم يكن لي قدرة وتسلط وقهر عليكم فأقهركم على الكفر والمعاصي {إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} أي إِلا دعائي إِياكم إِلى الضلالة بالوسوسة والتزيين فاستجبتم لي باختياركم {فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} أي لا ترجعوا باللوم عليَّ اليوم ولكن لوموا أنفسكم فإِن الذنب ذنبكم . {مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} أي ما أنا بمغيثكم ولا أنتم بمغيثيَّ من عذاب الله {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ} أي كفرت بإِشراككم لي من الله في الطاعة {إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي إِن المشركين لهم عذاب مؤلم. قال المفسرون: هذه الخطبة إِنما تكون إِذا استقر أهل الجنةِ في الجنة، وأهلُ النار في النار، فيأخذ أهل النار في لوم إِبليس وتقريعه فيقوم فيما بينهم خطيباً بما أخبر عنه القرآن. وقال الحسن: يقف إِبليس يوم القيامة خطيباً في جهنم على منبرٍ من نار يسمعه الخلائق جميعاً. {وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} لمّا ذكر تعالى أحوال الأشقياء، ذكر بعده أحوال السعداء، ليبقى العبد بين الرغبة والرهبة، وبين الخوف والرجاء أي أدخلهم الله تعالى جناتٍ تجري من تحت قصورها أنهار الجنة ماكثين فيها أبداً بأمره تعالى وتوفيقه وهدايته {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ} أي تُحَيِّهم الملائكة بالسلام مع الإِجلال والإِكرام.
سورة إبراهيم
مصحف : عبد الباسط عبد الصمد
إرسال الله موسى عليه السلام لهداية قومه {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا} أي أرسلنا موسى بالمعجزات الباهرات الدالة على صدقه {أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} أن تفسيرية بمعنى أيْ، والمعنى أي أخرج بني إِسرائيل من ظلمات الجهل والكفر إِلى نور الإِيمان والتوحيد قال أبو حيان: وفي قوله {قَوْمَكَ} خصوصٌ لرسالة موسى إِلى قومه بخلاف قوله لمحمد {لتخرج الناس} مما يدل على عموم الرسالة {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ} أي ذكّرهم بنعمه عليهم {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي في التذكير بأيام الله لعبراً ودلالات لكل عبد منيب صابر على البلاء، شاكر للنعماء . {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} أي اذكروا نعم الله الجليلة عليكم {إِذْ أَنجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} أي حين نجاكم من الذل والاستعباد من فرعون وزبانيته {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} أي يذيقونكم أسوأ أنواع العذاب {وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ} أي يذبحون الذكور ويستبقون الإِناث على قيد الحياة مع الذل والصغار {وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} أي وفي تلك المحنة ابتلاءٌ واختبار لكم من ربكم عظيم. قال المفسرون: وكان سبب قتل الذكور أن الكهنة قالوا لفرعون إِنَّ مولوداً يولد في بني إِسرائيل يكون ذهاب ملكك على يديه، فأمر بقتل كل مولود. {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} هذا من تتمة كلام موسى أي واذكروا أيضاً حين أعلم ربكم إِعلاماً لا شبهة فيه لئن شكرتم إِنعامي لأزيدنكم من فضلي {وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} أي ولئن جحدتم نعمتي بالكفر والعصيان فإِن عذابي شديد، وعدَ بالعذاب على الكفر، كما وعَدَ بالزيادة على الشكر {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} أي وقال موسى لبني إِسرائيل بعد أن أيس من إِيمانهم لئن كفرتم أنتم وجميع الخلائق فلن تضروا اللهَ شيئاً {فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} أي هو غنيٌّ عن شكر عباده، مستحق للحمد في ذاته وهو المحمود وإِن كفره من كفره. {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ} أي ألم يأتكم أخبار من قبلكم من الأمم المكذبة كقوم نوح وعاد وثمود ماذا حلَّ بهم لما كذبوا بآيات الله؟ {وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ} أي والأمم الذين جاؤوا بعدهم {لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ} أي لا يحصي عددهم إِلا الله {جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} أي بالحجج الواضحات، والدلائل الباهرات {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} أي وضعوا أيديهم على أفواههم تكذيباً لهم. وقال ابن مسعود: عضوا أصابعهم غيظاً {وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ} أي كفرنا بما زعمتم أن الله أرسلكم به {وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} أي في شك عظيم من دعوتكم، وقلق واضطراب من دينكم. {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ} أي أجابهم الرسل بقولهم: أفي وجود الله ووحدانيته شك؟ والاستفهام للإِنكار والتوبيخ لأنه لا يحتمل الشك لظهور الأدلة ولهذا لفتوا الانتباه إِلى براهين وجوده بقولهم {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سابق {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} أي يدعوكم إِلى الإِيمان ليغفر لكم ذنوبكم {وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} أي إِن آمنتم أمدَّ في أعماركم إِلى منتهى آجالكم ولم يعاقبكم في العاجل فيهلككم. {قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا} أي ما أنتم إِلا بشر مثلنا لا فضل لكم علينا {تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} أي تريدون أن تصرفونا عن عبادة الأوثان التي كان عليها آباؤنا {فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} أي فأتونا بحجة ظاهرة على صدقكم {قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} أي قالت الرسل: نحن كما قلتم بشر مثلكم {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} أي يتفضل على من يشاء بالنبوة والرسالة، قال الزمخشري: لم يذكروا فضلهم تواضعاً منهم وسلّموا لقولهم وأنهم بشرٌ مثلُهم في البشرية وحدها، فأمّا ما وراء ذلك فما كانوا مثلهم {وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ} أي وما ينبغي لنا أن نأتيكم بحجة وآية مما اقترحتموه علينا إِلا بمشيئة الله وإِذنه {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} أي على الله وحده فليعتمد المؤمنون في جميع أمورهم. {وَمَا لَنَا أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ} أي قالت الرسل: أيُّ شيء يمنعنا من التوكل على الله؟ {وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} أي والحال أنه قد بصّرنا طريق النجاة من عذابه {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا} أي ولنصبرنَّ على أذاكم،قال ابن الجوزي: وإِنما قُصَّ هذا وأمثاله على نبينا صلى الله عليه وسلم ليقتدي بمن قبله في الصبر وليعلم ما جرى لهم {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} ليس هذا تكرارا وإِنما معناه الثبات على التوكل أي فليدوموا وليثبتوا على التوكل عليه وحده.
سورة إبراهيم
مصحف : عبد الباسط عبد الصمد
بَين يَدَي السُّورَة * وقد تحدثت السورة عن رسالة موسى عليه السلام، ودعوته لقومه إِلى أن يعبدوا الله ويشكروه، وضربت الأمثال بالمكذبين للرسل، من الأمم السابقة كقوم نوح، وعاد، وثمود، ثم تناولت الآيات موضوع الرسل مع أقوامهم على مر العصور والدهور، وحكت ما جرى بينهم من محاورات ومناورات انتهت بإِهلاك الله للظالمين {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ* وَلَنُسْكِنَنَّكُمْ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ}. * وتحدثت السورة عن مشهد من مشاهد الآخرة، حيث يلتقي الأشقياء المجرمون بأتباعهم الضعفاء، وذكرت ما يدور بينهم من حوار طويل، ينتهي بتكدس الجميع في نار جهنم يصطلون سعيرها، فلم ينفع الأتباع تلك اللعنات والشتائم التي وجهوها إِلى الرؤساء فالكل في السعير، ثم ضربت الآيات مثلاً لكلمة الإِيمان، وكلمة الضلال، بالشجرة الطيبة، والشجرة الخبيثة، وختمت السورة ببيان مصير الظالمين يوم الجزاء والدين. التســميَــة: سميت السورة الكريمة "سورة إبراهيم" تخليداً لمآثر أب الأنبياء، وإِمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام، الذي حطم الأصنام، وحمل راية التوحيد، وجاء بالحنيفية السمحة ودين الإِسلام الذي بعث به خاتم المرسلين، وقد قص علينا القرآن الكريم دعواته المباركة بعد انتهائه من بناء البيت العتيق، وكلها دعوات إلى الإِيمان والتوحيد. {الر} هذا الكتاب المعجز مؤلف من جنس هذه الحروف المقطعة فأتوا بمثله إِن استطعتم {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ} أي هذا القرآن كتاب أنزلناه عليك يا محمد، لم تنشئْه أنتَ وإِنما أوحيناه نحن إِليك {لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} أي لتخرج البشرية من ظلمات الجهل والضلال إِلى نور العلم والإِيمان {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} أي بأمره وتوفيقه {إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} أي لتهديهم إلى طريق الله العزيز الذي لا يُغالب، المحمود بكل لسان، الممجَّد في كل مكان . {اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} أي المالك لما في السماوات والأرض، الغني عن الناس، المسيطر على الكون وما فيه {وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} قال الزجاج: {وَوَيْلٌ} كلمة تُقال للعذاب والهلكة، أي هلاك ودمارٌ للكافرين ويا ويلهم من عذاب الله الأليم. ثم وضّح صفات أولئك الكفار بقوله {الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ} أي يفضّلون ويؤثرون الحياة الفانية على الحياة الآخرة الباقية {وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} أي يصرفون الناس ويمنعونهم عن دين الإِسلام {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} أي يطلبون أن تكون طريق الله معوجَّة لتوافق أهواءهم {أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ} أي أولئك المتصفون بتلك الصفات الذميمة في ضلالٍ عن الحق مبين، لا يُرجى لهم صلاح ولا نجاح . {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} أي وما أرسلنا في الأمم الخالية رسولاً من الرسل إِلا بلغة قومه {لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} أي ليبيّن لهم شريعة الله ويفهمهم مراده، لتتمَّ الغاية من الرسالة {فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} أي وليست وظيفة الرسل إِلا التبليغ وأما أمر الهداية والإِيمان فذلك بيد الله يضلُّ من يشاء إِضلاله، ويهدي من يشاء هدايته على ما سبق به قضاؤه المحكم {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} أي وهو العزيز في ملكه، الحكيم في صنعه.
سورة إبراهيم
مصحف : عبد الباسط عبد الصمد
صاحب الرسالة، وبيان عظمة الله وقدرته سبب النزول: نزول الآية (31): {ولو أن قرآنا}: أخرج الطبراني وغيره عن ابن عباس، قال: قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كان كما تقول، فأرنا أشياخنا الأُوَل، نكلمهم من الموتى، وافسح لنا هذه الجبال - جبال مكة التي قد ضمتنا، فنزلت: {ولو أن قرآناً سيرت به الجبال} الآية. {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ} أي كما أرسلنا الأنبياء من قبلك كذلك أرسلناك يا محمد في أمة قد مضت قبلها أمم كثيرة، فهي آخر الأمم وأنتَ خاتم الأنبياء {لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} أي لتبلّغهم هذا الوحي العظيم والذكر الحكيم {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَانِ} أي والحال أنهم يكفرون بالرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء {قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا هُوَ} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين إن الرحمن الذي كفرتم به وأنكرتم معرفته هو ربي الذي آمنتُ به لا معبود لي سواه {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} أي عليه وحده اعتمدت، وإليه توبتي ومرجعي فيثيبني على مجاهدتكم، والغرضُ تسلية النبي صلى الله عليه وسلم مما يلقاه من كفار قريش من الجحود والعناد فقد كذَّب قبلهم الأمم {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ} أي لو كان كتابٌ من الكتب المنزّلة سُيرت بتلاوته الجبال وزعزعت عن أماكنها {أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ} أي شُققت به الأرض حتى تتصدَّع وتصير قطعاً {أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} أي خوطب به الموتى حتى أجابوا وتكلموا بعد أن أحياهم الله بتلاوته عليهم، وجواب {لو} محذوف تقديره: لكان هذا القرآن، لكونه غايةً في الهداية والتذكير، ونهايةً من الإِنذار والتخويف، وقال الزجاج: تقديره "لما آمنوا" لغلوهم في المكابرة والعناد، وتماديهم في الضلال والفساد {بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا} بلْ للإِضراب والمعنى: لو أن قرآناً فُعل به ما ذُكر لكان ذلك هذا القرآن، ولكنَّ الله لم يجبهم إلى ما اقترحوا من الآيات، لأنه هو المالك لجميع الأمور والفاعل لما يشاء منها من غير أن يكون لأحدٍ عليه تحكّمٌ أو اقتراح {أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا} أي أفلم يقنط وييأس المؤمنون من إيمان الكفار، ويعلموا أنه تعالى لو شاء هدايتهم لهداهم لأن الأمر له، ولكنْ قضت الحكمة أن يكون بناء التكليف على {وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ} أي ولا يزال كفار مكة يصيبهم بسوء أعمالهم وكفرهم داهيةٌ تقرع أسماعهم وتقلق بالهم من صنوف البلايا والمصائب {أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ} أي أو تحلُّ القارعة والداهية قريباً من ديارهم فيفزعون منها ويتطاير إليهم شررها {حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ} بإظهار الإِسلام وانتصارك عليهم بفتح مكة {إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} أي لا يخلف وعده لرسله وأوليائه بنصرتهم على أعدائه {وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ} تسلية وتأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم أي كما استهزأ بك المشركون فقد استهزأ المجرمون برسلهم وأنبيائهم {فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} أي أمهلتهم وتركتهم في أمنٍ وَدَعة ثم أخذتهم بالعذاب {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} أي فكيف كان عقابي لهم على الكفر والتكذيب؟ {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} أي أفمن هو رقيب حفيظ على عمل كل إنسان لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد وهو الله تعالى، والخبر محذوف تقديره: كمن ليس بهذه الصفة من الأصنام التي لا تسمع ولا تنفع ولا تملك من الأمر شيئاً، قال الفراء : وتُرك جوابهُ لأن المعنى معلومٌ وقد بيّنه بعد هذا بقوله {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ} كأنه قيل: هل الله كشركائهم؟ وقال الزمخشري: هذا احتجاجٌ عليهم في إشراكهم بالله يعني أفالله الذي هو قائم رقيب على كل نفسٍ صالحة أو طالحة بما كسبت من خير أو شر وقد أعدَّ لكلٍ جزءاه كمن ليس كذلك {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ} أي وجعل المشركون آلهة عبدوها معه من أصنام وأنداد في منتهى العجز والحقارة والجهالة، قل لهم يا محمد: سمّوهم لنا وصفوهم لننظر هل لهم ما يستحقون به العبادة والشركة مع الله؟ {أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ} أي أم تخبرون الله بشركاء لا يعلمهم سبحانه وهو استفهام للتوبيخ {أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ} أي أم تسمونهم شركاء بظنٍ باطلٍ فاسد لا حقيقة له، لفرط الجهل وسخافة العقل {بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ} أي زيَّن لهم الشيطان ذلك الكفر والضلال {وَصُدُّوا عَنْ السَّبِيلِ} أي مُنعوا عن طريق الهدى {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} أي ومن يضلله الله فما له أحدٌ يهديه {لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي لهؤلاء الكفرة عذاب عاجل في هذه الحياة الدنيا بالقتل والأسر وسائر المحن {وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ} أي ولعذابهم في الآخرة أثقل وأشد إيلاماً من عذاب الدنيا {وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ} أي وليسلهم من يحميهم من عذاب الله أو يدفع عنهم سخطه وانتقامه. وصف الجنة، وموقف أهل الكتاب من نبوته صلى الله عليه وسلم سبب النّزول: نزول الآية (38): قال الكلبي: عيَّرت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: ما نرى لهذا الرّجل مهمّة إلا النِّساء والنّكاح، ولو كان نبيّاً كما زعم، لشغله أمر النُّبوة عن النِّساء، فأنزل الله تعالى: {ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك، وجعلنا لهم أزواجاً وذُرِّيةً}. {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} أي صفة الجنة العجيبة الشأنِ التي وعد الله بها عباده المتقين أنها تجري من تحت قصورها وغرفها الأنهار {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} أي ثمرها دائم لا ينقطع، وظلُّها دائم لا تنسخه الشمس {تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا} أي تلك الجنة عاقبة المتقين ومآلهم {وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ} أي وأما عاقبة الكفار الفجار فهي النار {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} أي والذين أنزلنا إليهم التوراة والإِنجيل - ممن آمن بك واتبعك يا محمد - كعبد الله بن سلام والنجاشي وأصحابه يفرحون بهذا القرآن لما في كتبهم من الشواهد على صدقه والبشارة به {وَمِنْ الأَحْزَابِ مَنْ يُنكِرُ بَعْضَهُ} أي ومن أهل الملل المتحزبين عليك وهم أهل أديان شتى من ينكر بعض القرآن مكابرة مع يقينهم بصدقه لأنه موافق لما معهم {قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ} أي قل يا محمد إنما أُمرتُ بعبادة الله وحده لا أشركُ معه غيره {إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ} أي إلى عبادته أدعو الناس وإليه مرجعي ومصيري {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا} أي ومثل إنزال الكتب السابقة أنزلنا هذا القرآن بلغة العرب لتحكم به بين الناس {وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} أي ولئن اتبعتَ المشركين فيما يدعونك إليه من الأهواء والآراء بعدما آتاك الله من الحجج والبراهين {مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ} أي ليس لك ناصرٌ ينصرك أو يقيك من عذاب الله، والمقصود تحذير الأمة من اتباع أهواء الناس لأن المعصوم إذا خوطب بمثل ذلك كان الغرض تحذير الناس، قال القرطبي: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد الأمة {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ} أي أرسلنا قبلك الرسل الكرام {وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} أي وجعلنا لهم النساء والبنين، وهو ردٌّ على من عاب على الرسول صلى الله عليه وسلم كثرة النساء وقالوا: لو كان مرسلاً حقاً لكان مشتغلاً بالزهد وترك الدنيا والنساء، فردَّ الله مقالتهم وبيَّن أن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس ببدعٍ في ذلك، بل هو كمن تقدم من الرسل {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ} أي لم يكن لرسولٍ أن يأتي قومه بمُعجزة إلا إذا أذن الله له فيها، وهذا ردٌّ على الذين اقترحوا الآيات {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} أي لكل مدةٍ مضروبة كتابٌ كتبه الله في اللوح المحفوظ، وكلُّ شيء عنده بمقدار، قال الطبري: لكل أمر قضاه الله كتابٌ قد كتبه فهو عنده {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} أي ينسخ الله ما يشاء نسخه من الشرائع والأحكام وصحف الملائكة الكرام، ويثبتُ ما يشاء منها دون تغيير، قال ابن عباس: يبدّل الله ما يشاء فينسخه إلا الموتَ والحياة والشقاء والسعادة فإنه قد فرغ منها وقيل: إن المحو والإِثبات عامٌ في جميع الأشياء لما روي أن عمر بن الخطاب كان يطوف بالبيت ويبكي ويقول: اللهمَّ إن كنتَ كتبت عليَّ شقوةً أو ذنباً فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أمُّ الكتاب، واجعله سعادةً ومغفرة، وقد رجحه أبو السعود وهو قول ابن مسعود أيضاً {وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} أي أصل كل كتاب وهو اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه مقاديرَ الأشياءِ كلَّها. مهمته صلى الله عليه وسلم تبليغ الرسالة، ومآل الكفار، وتكذيبهم برسالته {وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ} أي وإن أريناك يا محمد بعض الذي وعدناهم من العذاب {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} أي نقبضك قبل أن نقر عينك بعذاب هؤلاء المشركين {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} أي ليس عليك إلا تبليغ الرسالة وعلينا حسابهم وجزاؤهم {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} أي أولمْ ير هؤلاء المشركون أنّا نمكّن للمؤمنين من ديارهم ونفتح للرسول الأرض بعد الأرض حتى تنقص دار الكفر وتزيد دار الإِسلام؟ وذلك من أقوى الأدلة على أن الله منجزٌ وعده لرسوله عليه السلام {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} أي ليس يتعقب حكمه أحد بنقضٍ ولا تغيير {وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} أي سريع الانتقام ممن عصاه {وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أي مكر الكفار الذين خَلَوْا بأنبيائهم كما مكر كفار قريش بك {فَلِلهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا} أي له تعالى أسباب المكر جميعاً لا يضر مكرهم إلا بإرادته، فهو يوصل إليهم العذاب من حيث لا يعلمون {يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} أي من خير وشر فيجازي عليه {وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ} أي لمن تكون العاقبة الحسنة في الآخرة {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً} أي يقول كفار مكة لستَ يا محمد مرسلاً من عند الله {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} أي حسبي شهادة الله بصدقي بما أيدني من المعجزات {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} أي وشهادة المؤمنين من علماء أهل الكتاب. مصحف : عبد الباسط عبد الصمد
الرزق والهداية والاطمئنان من الله {اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} أي يوسّع على من يشاء من عباده ويضيّق على من يشاء حسب الحكمة والمصلحة {وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي وفرح هؤلاء المشركون بنعيم الدنيا فرح أشرَ وبطر، وهو إخبار في ضمنه ذمٌ وتسفيه لمن فرح بالدنيا ولذلك حقّرها بقوله {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ} أي قليل وشيء حقير بالنظر إلى الآخرة {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ} أي ويقول كفار مكة هلاّ أُنزل على محمد معجزة من ربه مثل معجزة موسى في فلق البحر، ومعجزة عيسى في إحياء الموتى ونحو ذلك {قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} أي قل لهم يا محمد الأمر بيد الله وليس إليَّ، يُضلُّ من يشاء إضلاله فلا تغني عنه الآياتُ والنُذُّر شيئاً، ويرشد إلى دينه من أراد هدايته لأنه رجع إلى ربه بالتوبة والإِنابة، قال ابن جزي: خرج بالكلام مخرج التعجب حين طلبوا آية والمعنى قد جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن وآياتٍ كثيرة فعميتُم عنها، وطلبتم غيرها، وتماديتم على الكفر فإنه تعالى يضل من يشاء مع ظهور الآيات، ويهدي من يشاء دون ذلك {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ} هذا بدلٌ والمعنى يهدي أهل الإِنابة وهم الذين آمنوا وتسكن وتستأنس قلوبهم بذكر الله وتوحيده، وجيء بصيغة المضارع لإِفادة دوام الاطمئنان واستمراره {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} أي ألا فانتبهوا أيها القوم فإن بذكر الله تستأنس وتسكن قلوب المؤمنين، فلا يشعرون بقلق واضطراب من سوء العقاب، على عكس الذين إذا ذكر الله اشمأزتْ قلوبهُم {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} أي أما المؤمنون أهل الأعمال الصالحة فقرة عينٍ لهم ونعم ما يلقون من الهناءة والسعادة في المرجع والمنقلب، قال ابن عباس: {طُوبَى لَهُمْ} فرحٌ وقرة عين. مصحف : عبد الباسط عبد الصمد
ثم عدَّد تعالى صفاتهم فقال{الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ} أي يتمون عهد الله الذي وصاهم به وهي أوامره ونواهيه التي كلَّف بها عباده {وَلا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ} أي لا يخالفون ما وثقوه على أنفسهم من العهود المؤكدة بينهم وبين الله، وبين العباد أيضاً {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} أي يصلون الأرحام التي أمر الله بصلتها {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} أي يهابون ربهم إجلالاً وتعظيماً {وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} أي يخافون الحساب السيء المؤدي لدخول النار، فهم لرهبتهم جادّون في طاعة الله، محافظون على حدوده {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} أي صبروا على المكاره طلباً لمرضاة الله {وَأَقَامُوا الصَّلاةَ} أي أدَّوا الصلاة المفروضة بحدودها في أوقاتها {وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً} أي أنفقوا بعض أموالهم التي أوجبها الله عليهم في الخفاء والعلانية {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} أي يدفعون الجهلَ بالحلم والأذى بالصبر، وقال ابن عباس: يدفعون بالعمل الصالح السيء من الأعمال بمعنى يفعلون الحسنات ليدرءوا بها السيئات وفي الحديث (وأتبع السيئةَ الحسنة تمحها) {أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة وهي الجنة وقد جاء تفسيرها في قوله {جَنَّاتُ عَدنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءابَآئِهِم وَأَزْوَاجِهِم وَذُرِّيَّاتِهِم} أي جنات إقامة خالدة يدخلها أولئك الأبرار ومن كان صالحاً من آبائهم ونسائهم وأولادهم، ليأنسوا بلقائهم ويتمَّ بهم سرورهم، وإن لم يكونوا يستحقون هذه المنازل العالية بأعمالهم، فترفع منازل هؤلاء إكراماً لأولئك وذلك فضل الله، ثم إن لهم إكراماً آخر بيّنه بقوله {وَالْمَلائكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ} أي والملائكةُ تدخل عليهم للتهنئة من كل باب من أبواب الجنة يقولون لهم {سَلام عَلَيْكُم بِما صَبَرتُم} أي سلمتم من الآفات والمحن بصبركم في الدنيا، ولئن تعبتم فيما مضى فلقد استرحتم الساعة، وهذه بشارة لهم بدوام السلامة { فَنِعمَ عُقْبَى الدَّارِ} أي نعمت هذه العاقبة الحميدة عاقبتكم وهي الجنة بدل النار. ولما ذكر تعالى أوصاف المؤمنين التسعة أعقبه بذكر أوصاف الكافرين الذميمة فقال {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} أي ينقضون عهودهم بعدما وثقوا على أنفسهم لله أن يعملوا بما عهد إليهم من طاعته والإِيمان به {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} أي يقطعون الرحم التي أمر الله بوصلها {وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ} {أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ} أي أولئك الموصوفون بما ذُكر من القبائح لهم البعد من رحمته، والطردُ من جنته {وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} أي لهم ما يسوؤهم في الدار الآخرة وهو عذاب جهنم على عكس المتقين. مصحف : عبد الباسط عبد الصمد
وحدانية الله وحال المؤمن والمشرك تجاه الوحدانية {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين مَنْ خالق السماوات والأرض ومدبّر أمرهما؟ والسؤال للتهكم والسخرية بما عبدوا من دون الله {قُلِ اللَّهُ} أي قل لهم تقريعاً وتبكيتاً: اللهُ خالقُهما {قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا} أي قل لهم - إلزاماً لإِقامة الحجة عليهم - أجعلتم لله شركاء وعبدتموهم من دونه وهم لا يقدرون على نفع أنفسهم، ولا على دفع الضُرّ عنها، فكيف يستطيعونه لغيرهم؟ {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ} هذا تمثيلٌ لضلالهم في عبادة غير الله، والمراد بالأعمى الكافر وبالبصير المؤمن، وبالظلمات الضلالُ وبالنور الهدى أي كما لا يستوي الأعمى والبصير، وكما لا تستوي الظلمات والنور، كذلك لا يستوي المؤمن الذي يبصر ضياء الحق، والمشرك الذي عمي عن رؤية ذلك الضياء، فالفارق بين الحق والباطل واضحٌ وضوح الفارق بين الأعمى والبصير، والفارق بين الإِيمان والضلال ظاهر ظهور الفارق بين النور والظلام {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ} هذا من تمام الاحتجاج عليهم والتهكم بهم أي أم اتخذ هؤلاء المشركون آلهةً خلقوا مخلوقاتٍ كالتي خلقها الله فالتبس الأمر عليهم فلا يدرون خلق الله من خلق آلهتهم؟ وهو تهكم لاذع فإنهم يرون كل شيء من خلق الله، ويرون هذه الآلهة المزعومة لم تخلق شيئاً ثم بعد هذا كلّه يعبدونها من دون الله، وذلك أسخف وأحط ما تصل إليه عقول المشركين، ولما أقام الحجة عليهم جاء بهذا البيان الواضح {قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} أي الله الخالق لجميع الأشياء لا خالق غيره، وهو المنفرد بالألوهية والربوبية، الغالب لكل شيء، وجميعُ الأشياء تحت قدرته وقهره. مَثَلُ الحق والباطل وجزاء المطيعين والعاصين مصحف : عبد الباسط عبد الصمد
مظاهر ربوبيته وقدرته سبب النزول: نزول الآية (13): {ويرسل الصواعق}: ذكر الرواة سببين لنزول هذه الآية، أخرج الطبراني وغيره عن ابن عباس: أن أَرْبَدَ بن قيس وعامر بن الطُّفَيْل قدما المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عامر: يا محمد: ما تجعل إليَّ إن أسلمت؟ قال: لك ما للمسلمين، وعليك ما عليهم، قال: أتجعل لي الأمر من بعدك؟ قال: ليس ذلك لك ولا لقومك، فخرجا، فقال عامر: إني أَشْغَل عنك وجه محمد بالحديث، فأضربه بالسيف، فرجعا، فقال عامر: يا محمد، قم معي أكلمك، فقام معه، ووقف يكلمه، وسلَّ (أرْبَد) السيف، فلما وضع يده على قائم السيف، يبست، والتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرآه، فانصرف عنهما، فخرجا، حتى إذا كانا بالرَّقْم (موضع) أرسل الله على أربد صاعقة، فقتلته، فأنزل الله: {الله يعلم ما تحمل كل أنثى} إلى قوله {شديد المحال}. وأما عامر فأرسل الطاعون عليه، فخرجت فيه غُدَّة كغدة الجمل، ومات في بيت سلولية. وذكر الواحدي ما رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده والنسائي والبزار عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً مرّة إلى رجل من فراعنة العرب، فقال: اذهب فادعه لي، فقال: يا رسول الله، إنه أعتى من ذلك، قال: اذهب فادعه لي، قال: فذهب إليه، فقال: يدعوك رسول الله، قال: وما الله، أمن ذهب هو، أو من فضة أو من نحاس؟ فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، وقال: وقد أخبرتك أنه أعتى من ذلك، فقال: ارجع إليه الثانية فادعه، فرجع إليه، فعاد عليه مثل الكلام الأول، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: ارجع إليه، فرجع الثالثة، فأعاد عليه ذلك الكلام، فبينا هو يكلمني، إذ بعثت إليه سحابة حيال رأسه، فرعدت، فوقعت منها صاعقة، فذهبت بقحف رأسه، فأنزل الله تعالى: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ}. {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ الْبَرْقَ} هذا بيانٌ لآثار قدرته تعالى المنبثّة في الكون أي يريكم أيها الناس البرق الخاطف من خلال السحاب {خَوْفًا وَطَمَعًا} قال ابن عباس: خوفاً من الصواعق وطمعاً في الغيث، فإن البرق غالباً ما يعقبه صواعق مدمّرة، وقد يكون وراءه المطر المدرار الذي به حياة البلاد والعباد {وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ} أي وبقدرته كذلك يخلق السحب الكثيفة المحمَّلة بالماء الكثير {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْملائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} أي يسبح الرعد له تسبيحاً مقترناً بحمده والثناء عليه، وتسبّح له الملائكة خوفاً من عذابه، وتسبيحُ الرعد حقيقةٌ دلَّ عليها القرآن فنؤمن بها وإن لم نفهم تلك الأصوات فهو تعالى لا يخبر إلا بما هو حقٌّ كما قال {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ} أي يرسل الصواعق المدمّرة نقمة يهلك بها من شاء {وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ} أي وكفار مكة يجادلون في وجود الله ووحدانيته وفي قدرته على البعث {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} أي وهو تعالى شديد القوة والبطش والنكال، القادر على الانتقام ممن عصاه {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} أي لله تعالى تتجه الدعوةُ الحق فهو الحقيق بأن يُعبد وحده بالدعاء والالتجاء {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ} أي والآلهة الذين يدعوهم الكفار من دون الله {لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ} أي لا يستجيبون لهم دعاءً، ولا يسمعون لهم نداءً {إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} أي إلا كمن يبسط كفيه للماء من بعيد يدعوه ويناديه ليصل الماء إلى فمه، والماءُ جمادٌ لا يُحسُّ ولا يسمع، قال أبو السعود: شبّه حال المشركين في عدم حصولهم عند دعاء آلهتهم على شيء أصلاً بحال عطشان هائم لا يدري ما يفعل، قد بسط كفيه من بعيد إلى الماء يبغي وصوله إلى فمه وليس الماء ببالغٍ فمه أبداً لكونه جماداً لا يشعر بعطشه {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ} أي ما دعاؤهم والتجاؤهم لآلهتهم إلا في ضياع وخسار لأنه لا يُجدي ولا يفيد {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي ولله وحده يخضع وينقاد أهل السماوات وأهل الأرض {طَوْعًا وَكَرْهًا} أي طائعين وكارهين، قال الحسن: المؤمن يسجد طوعاً، والكافر يسجد كرْهاً أي في حالة الفزع والاضطرار {وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} أي وتسجد ظلالهُم أيضاً لله في أول النهار وأواخره، والغرضُ الإِخبار عن عظمة الله تعالى وسلطانه الذي قهر كلَّ شيء، ودان له كل شيء، بأنه ينقاد لجلاله جميع الكائنات حتى ظلال الآدمييّن، والكل في نهاية الخضوع والاستسلام لأمره تعالى.
مصحف : عبد الباسط عبد الصمد
{وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} أي إن تعجب يا محمد من شيء فليس ما هو أعجب من قول الكفار أئذا متنا وأصبحنا رفاتاً هل سنبعث من جديد؟ فإن إنكارهم للبعث حقيقٌ أن يُتعجب منه، فإن الذي قدر على إنشاء ما ذكرنا من السماوات والأرض، والأشجار والثمار، والبحار والأنهار قادرٌ على إعادتهم بعد موتهم {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ} أي هؤلاء الذين أنكروا البعث هم الجاحدون لقدرة الله {وَأُوْلَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ} أي يُغلُّون بالسلاسل في أعناقهم يوم القيامة {وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي وهم في جهنم مخلدون فيها أبداً لا يموتون فيها ولا يُخْرجون {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ} أي يستعجلك المشركون يا محمد بالبلاء والعقوبة قبل الرخاء والعافية، استعجلوا ما هُدّدوا به من عذاب الدنيا استهزاءً {وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ الْمَثُلاتُ} أي وقد مضت عقوباتُ أمثالهم من المكذبين، فما لهم لا يعتبرون ولا يتعَّظون؟ {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} أي وإن ربك لذو صفحٍ عظيم للناس، لا يعجّل لهم العقوبة وإن كانوا ظالمين بل يمهلهم بتأخيرها {وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} أي شديد العقاب لمن أصرَّ على المعاصي ولم يتب من ذنوبه. قرن تعالى بين سعة حلمه وشدة عقابه ليبقى العبد بين الرغبة والرهبة، والرجاء والخوف {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ} أي ويقول المشركون من كفار قريش هلاّ أُنزل على محمد معجزة تدل على صدقه مثل معجزات موسى وعيسى!! قال أبو حيّان: لم يعتدُوا بالآيات الخارقة المنزلة كانشقاق القمر، وانقياد الشجر، ونبع الماء من بين الأصابع وأمثال هذه المعجزات فاقترحوا عناداً آياتٍ أخرى {إِنَّما أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} جواب لما اقترحوا أي لستَ أنت يا محمد إلا محذّر ومبصِّر، شأنك شأن كل رسول قبلك، فلكل قوم نبيٌّ يدعوهم إلى الله وأما الآيات الخارقة فأمرها إلى مدبّر الكون والعباد. {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى} أي الله وحده الذي يعلم ما تحمله كل أنثى في بطنها هل هو ذكرٌ أم أنثى؟ تامٌ أم ناقص؟ حسنٌ أو قبيح {وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ} أي وما تنقصه الأرحامُ بإلقاء الجنين قبل تمامه {وَمَا تَزْدَادُ} أي وما تزداد على الأشهر التسعة، قال ابن عباس: ما تغيضُ بالوضع لأقلَّ من تسعة أشهر، وما تزداد بالوضع لأكثر من تسعة أشهر، وعنه المراد بالغيض: السقطُ الناقصُ، وبالازدياد: الولدُ التام {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} أي كلُّ شيء من الأشياء عند الله تعالى بقدر محدود لا يتجاوزه حسب المصلحة والمنفعة {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} أي ما غاب عن الحسّ وما كان مشاهَداً منظوراً، فعلمهُ تعالى شاملٌ للخفيِّ والمرْئيِّ لا يخفى عليه شيء {الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} أي العظيم الشأن الذي كل شيء دونه المستعلي على كل شيء بقدرته المنزّه عن المشابهة والمماثلة {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ} أي يستوي في علمه تعالى ما أضمرتْهُ القلوبُ وما نطقتْ به الألسنة {وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} أي ويستوي عنده كذلك من هو مستترٌ بأعماله في ظلمات الليل وهو في غاية الاختفاء، ومن هو ذاهبٌ في طريقه بوَضَح النهار مستعلنٌ لا يستخفي فيما يعمل وهو في غاية الظهور {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ} أي لهذا الإِنسان ملائكة موكّلةٌ به تتعقب في حفظه يأتي بعضُهم بعَقِب بعض كالحَرَس في الدوائر الحكومية {مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ} أي من أمام الإِنسان ومن ورائه {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} أي يحفظونه من الأخطار والمضارّ بأمره تعالى، قال مجاهد: ما من عبدٍ إلا وملكٌ موكلٌ به يحفظه في نومه ويقظته من الجنّ والإِنس والهوام {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} أي لا يزيل نعمته عن قومٍ ولا يسلبهم إيّاها إلا إذا بدّلوا أحوالهم الجميلة بأحوال قبيحة، وهذه من سنن الله الاجتماعية أنه تعالى لا يبدل ما بقومٍ من عافيةٍ ونعمة، وأمنٍ وعزة إلا إذا كفروا تلك النعم وارتكبوا المعاصي وفي الأثر "أوحى الله إلى نبيّ من أنبياء بني إسرائيل أن قلْ لقومك: إنه ليس من أهل قرية، ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله فيتحولون منها إلى معصية الله إلا حوّل الله عنهم ما يحبون إلى ما يكرهون" {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا} أي وإذا أراد تعالى هلاك قومٍ أو عذابهم {فَلا مَرَدَّ لَهُ} أي لا يقدر على ردّ ذلك أحد {وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} أي ليس لهم من دون الله وليٌّ يدفع عنهم العذاب والبلاء. مصحف : عبد الباسط عبد الصمد
بَين يَدَي السُّورَة سورة الرعد من السور المدنية، التي تتناول المقاصد الأساسية للسور المدنية، من تقرير "الوحدانية" و "الرسالة" و "البعث والجزاء" ودفع الشبه التي يثيرها المشركون. * ابتدأت السورة الكريمة بالقضية الكبرى، قضية الإِيمان بوجود الله ووحدانيته، فمع سطوع الحق ووضوحه، كذَّب المشركون بالقرآن، وجحدوا وحدانية الرحمن، فجاءت الآيات تقرر كمال قدرته تعالى، وعجيب خلقه في السماوات والأرض، والشمس والقمر، والليل والنهار، والزروع والثمار، وسائر ما خلق الله في هذا الكون الفسيح البديع. * ثم تلتها الآيات في إثبات البعث والجزاء، ثم بعد ذكر الأدلة الساطعة والبراهين القاطعة على انفراده جل وعلا بالخلق والإِيجاد، والإِحياء والإِماتة، والنفع والضر، ضرب القرآن مثلين للحق والباطل أحدهما: في الماء ينزل من السماء، فتسيل به الأودية والشعاب، ثم هو يجرف في طريقه الغثاء، فيطفو على وجهه الزَّبد الذي لا فائدة فيه والثاني : في المعادن التي تُذاب لتصاغ منها الأواني وبعض الحلية كالذهب والفضة، وما يعلو هذه المعادن من الزبد والخبث، الذي لا يلبث أن يذهب جفاءً ويضمحل ويتلاشى، ويبقى المعدن النقي الصافي {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا ..} الآيات فلذلك مثل الحق والباطل. * وذكرت السورة الكريمة أوصاف أهل السعادة وأهل الشقاوة، وضربت لهم المثل بالأعمى والبصير، وبينت مصير كلٍ من الفريقين، ثم ختمت بشهادة الله لرسوله بالنبوة والرسالة وأنه مرسل من عند الله تعالى. التسِميَة: سميت {سورة الرعد} لتلك الظاهرة الكونية العجيبة، التي تتجلى فيها قدرة الله وسلطانه، فالماء جعله الله سبباً للحياة، وأنزله بقدرته من السحاب، والسحابُ جمع الله فيه بين الرحمة والعذاب، فهو يحمل المطر ويحمل الصواعق، وفي الماء الإِحياء، وفي الصواعق الإِفناء، وجعل النقيضين من العجائب كما قال القائل: جمعُ النقيضين من أسرار قدرته: هذا السحاب به ماء به نار. فما أجلَّ وأعظم قدرة الله تعالى. {المر} إشارة إلى إعجاز القرآن {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ} أي هذه آيات القرآن المعجز، الذي فاق كل كتاب {وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ} أي والذي أوحي إليك يا محمد في هذا القرآن هو الحق الذي لا يلتبس بالباطل، ولا يحتمل الشك والتردّد {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ} أي ومع وضوحه وجلائه كذّب به أكثر الناس. من مظاهر قدرة الله في السماوات والأرض {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} أي خلقها مرتفعة البناء، قائمة بقدرته لا تستند على شيء حال كونكم تشاهدونها وتنظرونها بغير دعائم، وذلك دليل وجود الخالق المبدع الحكيم {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} أي علا فوق العرش علواً يليق بجلاله من غير تجسيم ولا تكييفٍ ولا تعطيل {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى} أي ذلَّل الشمس والقمر لمصالح العباد، كلٌّ يسير بقدرته تعالى إلى زمنٍ معيَّن هو زمن فناء الدنيا {يُدَبِّرُ الأَمْرَ} أي يصرِّف بحكمته وقدرته أمور الخلق وشؤون الملكوت من إيجاد وإعدام، وإحياء وإماتة وغير ذلك {يُفَصِّلُ الآيَاتِ} أي يبيّنها ويوضّحها {لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} أي لتصدقوا بلقاء الله، وتوقنوا بالمعاد إليه، لأن من قدر على ذلك كلّه فهو قادرٌ على إحياء الإِنسان بعد موته {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ} أي هو تعالى بقدرته بسط الأرض وجعلها ممدودة فسيحة، وهذا لا ينافي كرويتها فإن ذلك مقطوعٌ به، والغرضُ أنه تعالى جعلها واسعة فسيحة ممتدة الآفاق ليستقر عليها الإِنسان والحيوان، ولو كانت كلها جبالاً وودياناً لما أمكن العيش عليها، قال ابن جزي: ولا يتنافى لفظُ البسط والمدِّ مع التكوير، لأن كل قطعةٍ من الأرض ممدودةٌ على حِدَتها، وإنما التكوير لجملة الأرض {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسيَ} أي وخلق في الأرض جبالاً ثوابتَ رواسخ لئلا تضطرب بأهلها كقوله {أن تميدَ بكم} {وَأَنْهَارًا} أي وجعل فيها الأنهار الجاريات {وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ} أي جعل فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين اثنين ذكراً وأنثى ليتمَّ بينهما أسباب الإِخصاب والتكاثر طبق سنته الحكيمة، وقال أبو السعود: أي جعل من كل نوع من أنواع الثمرات الموجودة في الدنيا ضربين وصنفين، إمّا في اللون كالأبيض والأسود، أو في الطعم كالحلو والحامض، أو في القَدْر كالصغير والكبير، أو في الكيفيّة كالحارّ والبارد وما أشبه ذلك {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} أي يُلبسه إياه فيصير الجو مُظْلماً بعد ما كان مضيئاً {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أي إنَّ في عجائبِ صنع الله لدلالات وعلامات باهرة على قدرته ووحدانيته لمن تأمل وتفكَّر، وخُصَّ "المتفكرون" بالذكر لأنَّ ما احتوتْ عليه هذه الآيات من الصنيع العجيب لا يُدرك إلا بالتفكر {وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ} أي في الأرض بقاعٌ مختلفةٌ متلاصقات قريبٌ بعضها من بعض، قال ابن عباس: أرضٌ طيبة، وأرضٌ سَبْخة تُنْبتُ هذه، وهذه إلى جنبها لا تُنْبت {وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ} أي بساتين كثيرة من أشجار العنب {وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ} أي وفي هذه القطع المتجاورة أنواع الزروع والحبوب والنخيل والرطب، منها ما يَنْبُت منه من أصل واحدٍ شجرتان فأكثر، ومنها ما ينبت منه شجرة واحدة {يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ} أي الكل يسقى بماء واحدٍ، والتربة واحدة، ولكنَّ الثمار مختلفة الطعوم، قال الطبري: الأرض الواحدة يكون فيها الخوخ، والكمثرى، والعنب الأبيضُ والأسود، بعضُها حلوٌ، وبعضُها حامض، وبعضها أفضل من بعض مع اجتماع جميعها على شربٍ واحد {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي علامات باهرة ظاهرة لمن عقل وتدبَّر، وفي ذلك ردٌّ على القائلين بالطبيعة. مصحف : عبد الباسط عبد الصمد
توجه يوسف عليه السلام بالدعاء لربه {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ} أي أعطيتني العزَّ والجاه والسلطان، وذلك من نعمة الدنيا {وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ} أي علمتني تفسير الرؤيا، وذلك من نعمة العلم {فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي يا مبدع السماوات والأرض وخالقَهما على غير مثال سابق {أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} أي أنت يا رب متولي أموري وشؤوني في الدارين {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} أي اقبضني إليك مسلماً، واجعل لحاقي بالصالحين، ابتهل إلى ربه أن يحفظ عليه إسلامه حتى يموت عليه، وإلى هنا تنتهي قصة يوسف الصدّيق، ثم يأتي التعقيب بعد ذلك بإقامة البرهان على صحة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام. إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بقصص الماضين تثبيتاً لصدق دعوته {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ} أي ذلك الذي أخبرناك عنه يا محمد من أمر يوسف وقصته، من الأخبار المغيَّبة التي لم تكن تعلمها قبل الوحي، وإنما نُعلمك نحن بها على أبلغ وجه وأدق تصوير، ليظهر صدقُك في دعوى الرسالة {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} أي وما كنت حاضراً إخوة يوسف حين تآمروا على أخيهم وأجمعوا أمرهم على إلقائه في الجب وهم يحتالون ويمكرون به وبأبيه ليرسله معهم، فإنك يا محمد لم تشاهدهم حتى تقف على حقيقة القصة وإنما جاءتك بوحيٍ من العليم الخبير {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي ليس أكثر الخلق ولو حرصتَ على إيمانهم وبالغتَ في إرشادهم بمصدقين لك لتصميمهم على الكفر {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} أي وما تطلب منهم على هذا النصح، والدعاء إلى الخير والرشد أجرة حتى يثقل عليهم {إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} أي ما هذا القرآن إلا عظة وتذكير للعالمين، وأنت لا تطلب في تلاوته عليهم مالاً، فلو كانوا عقلاء لقبلوا ولم يتمردوا {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي كم من الآيات والعلامات الدالة على وجود الله جل وعلا ووحدانيته، الكائنة في السماوات والأرض كالشمس والقمر والنجوم، والجبال والبحار والأشجار، وسائر ما فيهما من العجائب {يَمُرُّونَ عَلَيْهَا} أي يشاهدونها ليلَ نهار، ويمرون عليها بالعشي والإِبكار {وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} أي لا يفكرون فيها ولا يعتبرون، فلا تتعجب من إعراضهم عنك فإن إعراضهم عن هذه الآيات الدالة على وحدانية الله وقدرته أغرب وأعجب {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} أي لا يؤمن أكثر هؤلاء المكذبين من قومك إلا إذا أشركوا مع الله غيره، فإنهم يقرّون بأن الله هو الخالق الرازق ويعبدون معه الأصنام، قال ابن عباس: ومن ذلك قولهم في تلبيتهم: "لبَّيْك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك" {أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ} أفأمن هؤلاء المكذبون عقوبةً من عذاب الله تغشاهم وتشملهم؟ {أَوْ تَأْتِيَهُمْ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} أي أو تأتيهم القيامة بأهوالها فجأة من حيث لا يشعرون ولا يتوقعون؟ والاستفهام إنكاري وفيه معنى التوبيخ {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي} أي قل يا محمد هذه طريقي ومنهاجي واضحة مستقيمة لا عوج فيها ولا شك ولا شبهة {أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي} أي أدعو إلى عبادة الله وطاعته، على بيانٍ وحجة واضحة أنا ومن آمن بي {وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} أي وأنزهه سبحانه عن الشركاء والأنداد، فأنا مؤمن موحِّد ولست من المشركين. العبرة من قصص الماضين في القرآن {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ}أي وما أرسلنا من قبلك يا محمد إلا رجالاً من البشر لا ملائكة من السماء، قال الطبري: أي رجالاً لا نساءً ولا ملائكة نوحي إليهم آياتنا للدعاء إلى طاعتنا، والآية ردٌّ على من أنكر أن يكون النبي من البشر، أو زعم أن في النساء نبيات {مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} أي من أهل المُدن والأمصار لا من أهل البوادي،قال الحسن: لم يبعث الله نبياً من أهل البادية قط ولا من النساء ولا من الجن، قال المفسرون: وإنما كانوا من أهل الأمصار لأنهم أعلم وأحلم، وأهل البوادي فيهم الجهل والجفاء والقسوة {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أي أفلم يسر هؤلاء المكذبون في الأرض فينظروا نظر تفكر وتدبر ما حلَّ بالأمم السابقين ومصارع المكذبين فيعتبرون بذلك؟ والاستفهام للتوبيخ {وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا} أي الدار الآخرة خير للمؤمنين المتقين من هذه الدار التي ليس فيها قرار {أَفَلا تَعْقِلُونَ} أي أفلا تعقلون فتؤمنون!! {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ} أي يئس الرسل من إيمان قومهم {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} أي أيقن الرسل أن قومهم كذّبوهم {جَاءهُمْ نَصْرُنَا} أي أتاهم النصر عند اشتداد الكرب، ففي اللحظة التي تستحكم فيها الشدة، ويأخذ فيها الكرب بالمخانق، ولا يبقى أملٌ في غير الله، في هذه اللحظة يجيء النصر كاملاً حاسماً فاصلاً {فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ} أي فنجينا الرسل والمؤمنين بهم دون الكافرين {وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} أي ولا يُردُّ عذابنا وبطشنا عن المجرمين إذا نزل بهم {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ} أي لقد كان في قصة يوسف وإِخوته عظة وتذكرة لأولي العقول النيِّرة {مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى} أي ما كان هذا القرآن أخباراً تُروى أو أحاديث تختلق {وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} أي ولكن كان هذا القرآن مصدقاً لما سبقه من الكتب السماوية المنزّلة من قبل {وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ} أي تبيان كل ما يُحْتاج إليه من أحكام الحلال والحرام، والشرائع والأحكام {وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي وهداية من الضلالة ورحمة من العذاب لقوم يصدّقون به ويعملون بأوامره ونواهيه.
إخبار يوسف إخوته بحقيقة أمره واعترافهم بخطئهم {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ} في الكلام محذوف أي فخرجوا راجعين إلى مصر فدخلوا على يوسف فلما دخلوا قالوا يا أيها العزيز أصابنا وأهلنا الشدة من الجدب والقحط {وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ} أي وجئنا ببضاعة رديئة مدفوعة يدفعها كل تاجرٍ رغبة عنها واحتقاراً، قال ابن عباس: كانت دراهمهم رديئة لا تقبل في ثمن الطعام، أظهروا له الذل والانكسار استرحاماً واستعطافاً {فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ} أي أتمم لنا الكيل ولا تنقصْه لرداءة بضاعتنا {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا} أي بردّ أخينا إلينا أو بالمسامحة عن رداءة البضاعة {إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} أي يثيب المحسنين أحسن الجزاء .. ولما بلغ بهم الأمر إلى هذا الحد من الاسترحام والضيق والانكسار أدركته الرأفة فباح لهم بما كان يكتمه من أمره {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ}؟ أي هل تذكرون ما فعلتم بيوسف وأخيه حال شبابكم وطيشكم؟ والغرض تعظيم الواقعة كأنه يقول: ما أعظم ما ارتكبتم في يوسف وما أقبح ما أقدمتم عليه! قال أبو السعود: وإنما قاله نصحاً لهم، وتحريضاً على التوبة، وشفقةً عليهم {قَالُوا أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ} أي قال إخوته متعجبين مستغربين: أأنت يوسف حقاً؟ {قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي} أي قال: نعم أنا يوسف وهذا أخي الشقيق {قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} أي منَّ علينا بالخلاص من البلاء، والاجتماع بعد الفرقة، والعزة بعد الذلة {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ} أي إنه من يتق الله فيراقبه ويصبر على البلايا والمحن {فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} أي لا يبطل أجرهم ولا يضيع إحسانهم بل يجزيهم عليه أوفى الجزاء، قال البيضاوي: ووضع المحسنين موضع الضمير للتنبيه على أن المحسن من جمع بين التقوى والصبر {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا} اعترافٌ بالخطيئة وإقرار بالذنب أي والله لقد فضَّلك الله علينا بالتقوى والصبر، والعلم والحلم {وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} أي وحالُنا وشأننا أننا كنا مذنبين بصنيعنا الذي صنعنا بك، ولذلك أعزَّك الله وأذلنا، وأكرمك وأهاننا {قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} أي قال لهم يوسف: لا عتب عليكم اليوم ولا عقوبة بل أصفح وأعفو {يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ} دعاءٌ لهم بالمغفرة وهذا زيادة تكريم منه لما فرط منهم {وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} أي هو جل وعلا المتفضل على التائب بالمغفرة والرحمة، أرحم بعباده من كل أحد {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي} قال الطبري: ذُكر أن يوسف لمّا عرَّف نفسه لإخوته سألهم عن أبيهم فقالوا: ذهب بصره من الحزن فعند ذلك أعطاهم قميصه، وأراد يوسف تبشير أبيه بحياته، وإدخال السرور عليه بذلك {يَأْتِ بَصِيرًا} أي يرجع إليه بصره {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} أي وجيئوني بجميع الأهل والذرية من أولاد يعقوب. إخبار يعقوب بريح يوسف وتأييد قوله {وَلَمَّا فَصَلَتْ الْعِيرُ} أي خرجت منطلقة من مصر إلى الشام {قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ} أي قال يعقوب لمن حضر من قرابته إني لأشمّ رائحة يوسف، قال ابن عباس: هاجت ريح فحملت ريح قميص يوسف وبينهما مسيرة ثمان ليال {لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ} أي تسفهوني وتنسبوني إلى الخَرَف وهو ذهاب العقل وجواب {لَوْلا} محذوف تقديره لأخبرتكم أنه حيٌّ {قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ} أي قال حفدته ومن عنده: والله إنك لفي خطأ وذهاب عن طريق الصواب قديم، بإفراطك في محبة يوسف، ولهجك بذكره، ورجائك للقائه،قال المفسرون: وإنما قالوا ذلك لاعتقادهم أن يوسف قد مات {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ} أي فلما جاء المبشر بالخبر السارّ، قال مجاهد: كان البشير أخاه يهوذا الذي حمل قميص الدم فقال: أُفرحه كما أحزنته {أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ} أي طرح البشير القميص على وجه يعقوب {فَارْتَدَّ بَصِيرًا} أي عاد بصيراً لما حدث له من السرور والانتعاش {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} أي قال يعقوب لأبنائه: ألم أخبركم بأني أعلم ما لا تعلمونه من حياة يوسف وأن الله سيرده عليَّ لتتحقق الرؤيا؟ قال المفسرون: ذكّرهم بقوله {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون} روي أنه سأل البشير كيف يوسف؟ فقال: هو ملك مصر، قال: ما أصنع بالملك! على أيّ دين تركتَه؟ قال: على دين الإسلام، قال: الآن تمَّت النعمة {قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} طلب أبناؤه أن يستغفر لهم لما فرط منهم ثم اعترفوا بخطئهم بقولهم {إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} أي مخطئين فيما ارتكبنا مع يوسف {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} وعدهم بالاستغفار، قال المفسرون: أخَّر ذلك إلى السَّحَر ليكون أقرب إلى الإِجابة وقيل: أخَّرهم إلى يوم الجمعة ليتحرى ساعة الإِجابة {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} أي الساتر للذنوب الرحيم بالعباد. لقاء أسرة يعقوب عليه السلام في مصر {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ} أي فلما دخل يعقوب وأبناؤه وأهلوهم على يوسف ضمَّ إليه أبويه واعتنقهما {وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} أي ادخلوا بلدة مصر آمنين من كل مكروه، وإنما قال {إِنْ شَاءَ اللَّهُ} تبركاً وتيمناً {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ} أي أجلسهما على سرير الملك بجانبه {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} أي سجد له أبوه وأمه وإخوته حين دخولهم عليه، قال المفسرون: كان السجود عندهم تحية وكرامة لا عبادة {وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ} أي هذا تفسير الرؤيا التي رأيتها في منامي وأنا صغير {قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} أي صدقاً حيث وقعت كما رأيتها في النوم {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ} أي أنعم عليَّ بإخراجي من السجن،قال المفسرون: ولم يذكر قصة الجب تكرماً منه لئلا يُخْجل إخوته ويذكّرهم صنيعهم بعد أن عفا عنهم {وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ} أي جاء بكم من البادية لأنهم كانوا أهل إبل وغنم ببادية فلسطين، ذكّرهم بنعمة الله على آل يعقوب حيث نقلهم من البادية إلى الحضر واجتمع شمل الأسرة بمصر، قال الطبري: ذُكر أن يعقوب دخل مصر هو ومن معه من أولاده وأهاليهم وأبنائهم وهم أقل من مائة، وخرجوا منها يوم خرجوا وهم زيادة على ستمائة ألف {مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} أي أفسد ما بيني وبين إخوتي بالإِغواء، قال أبو حيان: وذكر هذا القدر من أمر إخوته لأن النعمة إذا جاءت إِثْر بلاءٍ وشدة كانت أحسن موقعاً {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ} أي لطيف التدبير يحقّق مشيئتَه بلطفٍ ودقةٍ خفية لا يحسها الناس ولا يشعرون بها {إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} أي العليم بخلقه الحكيم في صنعه،قال المفسرون: إن يعقوب عليه السلام أقام مع يوسف في مصر أربعاً وعشرين سنة ثم مات وكان قد أوصى أن يُدفن بالشام إلى جنب أبيه إسحاق، فمضى يوسف بنفسه ودفنه ثمَّة، ثم لما عاد إلى مصر عاش بعد أبيه ثلاثاً وعشرين سنة، فلما تم أمره وعلم أنه لا يدوم تاقت نفسه إلى الملك الدائم الخالد، واشتاق إلى لقاء الله وإلى آبائه الصالحين إبراهيم وإسحاق عليهما السلام.
حرص يوسف على إبقاء أخيه بنيامين لديه {وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ} أي وحين دخل أولاد يعقوب على يوسف {آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ} أي ضمَّ إليه أخاه الشقيق بنيامين {قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ} أي أنا أخوك يوسف، أخبره بذلك واستكتمه {فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي لا تحزنْ بما فعلوا بنا فيما مضى فإن الله قد أحسن إلينا وجمعنا بخير، قال المفسرون: لما دخل إخوة يوسف عليه أكرمهم وأحسن ضيافتهم ثم أنزل كل اثنين في بيت وبقي "بنيامين" وحيداً فقال: هذا لا ثاني له فيكون معي، فبات يوسف يضمه إليه ويعانقه، وقال له: أنا أخوك يوسف فلا تحزن بما صنعوا، ثم أعلمه أنه سيحتال لإِبقائه عنده وأمره أن يكتم الخبر {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ} أي ولمّا قضى حاجتهم وحمَّل إبلهم بالطعام والميرة {جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ} أي أمر يوسف بأن تُجعل السقاية - وهي صاعٌ من ذهب مرصَّعٌ بالجواهر - في متاع أخيه بنيامين {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ} أي نادى منادٍ {أَيَّتُهَا الْعِيرُ} أي يا أصحاب الإِبل ويا أيها الركب المسافرون {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} أي أنتم قوم سارقون، وإنما استحل أن يرميهم بالسرقة لما في ذلك من المصلحة من إمساك أخيه {قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ}؟ قال المفسرون: لما وصل المنادون إليهم قالوا: ألم نكرمكم ونحسن ضيافتكم؟ ونوفّ إليكم الكيل؟ ونفعل بكم ما لم نفعل بغيركم؟ قالوا: بلى وما ذاك؟ قالوا: فقدنا سقاية الملك ولا نتّهم عليها غيركم فذلك قوله تعالى: {قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ} أي التفتوا إليهم وسألوهم ماذا ضاع منكم وماذا فُقد؟ وفي قولهم {مَاذَا تَفْقِدُونَ} بدل "ماذا سرَقْنا" إرشادٌ لهم إلى مراعاة حسن الأدب، وعدم المجازفة بنسبة البريئين إلى تهمة السرقة، ولهذا التزموا الأدب معهم فأجابوهم {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ} أي ضاع منا مكيال الملِك المُرصَّع بالجواهر {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} أي ولمن جاءنا بالمكيال وردَّه إلينا حِمْلُ بعيرٍ من الطعام كجائزة له {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} أي أنا كفيلٌ وضامنٌ بذلك {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ} قسمٌ فيه معنى التعجب أي قالوا متعجبين: والله لقد علمتم أيها القوم ما جئنا بقصد أن نفسد في أرضكم {وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} أي ولسنا ممن يُوصف بالسرقة قطُّ لأننا أولاد أنبياء ولا نفعل مثل هذا الفعل القبيح،قال البيضاوي: استَشْهدوا بعلمهم على براءة أنفسهم لما عرفوا منهم من فرط أمانتهم، كردّ البضاعة التي جُعلت في رحالهم، وككمِّ أفواه الدواب لئلا تتناول زرعاً أو طعاماً لأحد {قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ} أي ما عقوبة السارق في شريعتكم إن كنتم كاذبين في ادعاء البراءة {قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} أي جزاء السارق الذي يوجد الصاع في متاعه أن يُسترقَّ ويصبح مملوكاً لمن سَرَق منه {كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} أي كذلك نجازي من تعدَّى حدود الله بالسرقة وأمثالها، وهذا القول منهم هو الحكم في شريعة يعقوب وقد نسخ بقطع الأيدي في الشريعة الإِسلامية {فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ} أي بدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء أخيه بنيامين،قال المفسرون: هذا من تمام الحيلة ودفع التهمة فإنهم لما ادعوا البراءة قالوا لهم: لا بدَّ من تفتيش أوعيتكم واحداً واحداً فانطلقوا بهم إلى يوسف فبدأ بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء "بنيامين"قال قتادة: ذُكر لنا أنه كان لا يفتح متاعاً ولا ينظر وعاءً إلا استغفر الله مما قذفهم به، حتى بقي أخوه - وكان أصغرَ القوم فقال: ما أظُنُّ هذا أخذ شيئاً فقالوا: والله لا نتركُك حتى تنظر في رَحله فإنه أطيب لنفسك وأنفسنا، فلما فتحوا متاعه وجدوا الصُواع فيه فذلك قوله تعالى {ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ} أي استخرج الصُواع من متاع أخيه بنيامين، فلما أخرجها منه نكَّس الإِخوةُ رؤوسَهم من الحياء، وأقبلوا عليه يلومونه ويقولون له فضحتنا وسوَّدت وجوهنا يا ابن راحيل {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} أي كذلك صنعنا ودبرنا ليوسف وألهمناه الحيلة ليستبقي أخاه عنده {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} أي ما كان ليوسف أن يأخذ أخاه في دين ملك مصر، لأن جزاء السارق عنده أن يُضرب ويُغرَّم ضعفَ ما سَرَق {إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} أي إلا بمشيئته تعالى وإذنه، وقد دلّت الآية على أن تلك الحيلة كانت بتعليم الله وإلهامه له {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} أي نرفع بالعلم منازل من نشاء من عبادنا كما رفعنا يوسف {وَفَوْ





