♥ جنة الإسلام♥
اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا.

دخول يوسف إلى السجن ودعوته لدينه فيه

دخول يوسف إلى السجن ودعوته لدينه فيه

 

{وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ(36)قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ(37)وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ(38)يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ(39)مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ(40)}

 

      {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ} أي أُدخل يوسف السجن واتفق أنه أُدخل حينئذٍ آخران من خدم الملك الخاص أحدهما خبازه، والآخر ساقيه، اتهما بأنهما أرادا أن يسماه فحبسهما {قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} أي قال الساقي إني رأيت في المنام أني أعصر عنباً يئول إلى خمر وأسقي منه الملك {وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ} أي وقال الخباز: إني رأيت في منامي أني أحمل على رأسي طبقاً فيه خبز، والطيرُ تأكل من ذلك الخبز {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} أي أخبرنا بتفسير ما رأينا إنا نراك من الذين يحسنون تفسير الرؤيا {قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا} أي لا يأتيكما شيء من الطعام إلا أخبرتكما ببيان حقيقته وماهيته وكيفيته قبل أن يصل إليكما، أخبرهما بمعجزاته ومنها معرفة "المغيبات" توطئةً لدعائهما إلى الإِيمان، قال البيضاوي: أراد أن يدعوهما إلى التوحيد ويرشدهما إلى الدين القويم قبل أن يسعفهما إلى ما سألاه عنه، كما هو طريقة الأنبياء في الهداية والإِرشاد، فقدَّم ما يكون معجزة له من الإِخبار بالغيب ليدلهما على صدقه في الدعوة والتعبير {ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} إن ذلك الإِخبار بالمغيبات ليس بكهانة ولا تنجيم، وإنما هو بإلهامٍ ووحيٍ من الله {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} أي خصني ربي بذلك العلم لأني من بيت النبوة وقد تركت دين قومٍ مشركين لا يؤمنون بالله {وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} أي يكذبون بيوم القيامة، نبّه على أصلين عظيمين: الإِيمان بالله، والإِيمان بدار الجزاء، إذ هما أعظم أركان الإِيمان، وكرر لفظة {هم} على سبيل التأكيد {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} أي اتبعت دين الأنبياء، لا دين أهل الشرك والضلال، والغرضُ إظهار أنه من بيت النبوة، لتقوى رغبتهما في الاستماع إليه والوثوق بكلامه {مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} أي ما ينبغي لنا معاشر الأنبياء أن نشرك بالله شيئاً مع اصطفائه لنا وإنعامه علينا {ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ} أي ذلك الإِيمان والتوحيد من فضل الله علينا حيث أكرمنا بالرسالة، وعلى الناس حيث بعث الرسل لهدايتهم وإرشادهم {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ} أي لا يشكرون فضل الله عليهم فيشركون به غيره .. ولما ذكر عليه السلام ما هو عليه من الدين الحنيف الذي هو دين الرسل، تلطَّفَ في حسن الاستدلال على فساد ما عليه قوم الفتيين من عبادة الأصنام فقال {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} أي يا صاحبيَّ في السجن أآلهة متعددة لا تنفع ولا تضر ولا تستجيب لمن دعاها كالأصنام، خيرٌ أم عبادة الواحد الأحد، المتفرد بالعظمة والجلال؟! {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} أي ما تعبدون يا معشر القوم من دون الله إلا أسماءً فارغة سميتموها آلهة وهي لا تملك القدرة والسلطان لأنها جمادات {مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} أي ما أنزل الله لكم في عبادتها من حجة أو برهان {إِنْ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ} أي ما الحكم في أمر العبادة والدين إلا لله رب العالمين {أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ} أي أمر سبحانه بإفراد العبادة له، لأنه لا يستحقها إلا من له العظمة والجلال {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} أي ذلك الذي أدعوكم إليه من إخلاص العبادة لله هو الدين القويم الذي لا اعوجاج فيه {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} أي يجهلون عظمة الله فيعبدون ما لا يضر ولا ينفع .. تدرّج عليه السلام في دعوتهم وألزمهم الحجة بأن بيَّن لهم أولاً رجحان التوحيد على اتخاذ الآلهة المتعددة، ثم برهن على أن ما يسمونها آلهة ويعبدونها من دون الله لا تستحق الألوهية والعبادة، ثم نصَّ على ما هو الحق القويم والدين المستقيم وهو عبادة الواحد الأحد الفرد الصمد، وذلك من الأسلوب الحكيم في الدعوة إلى الله، حيث قدَّم الهداية والإِرشاد، والنصيحة والموعظة.

 

(1) تعليقات

محنة يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز

محنة يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز

 

{وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ(23)وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ(24)وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(25)قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ(26)وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ(27)فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ(28)يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ(29)}

 

      {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ} هذه هي المحنة الثالثة بعد محنة الجب والاسترقاق، والمراودةُ الطلبُ برفقٍ ولين كما يفعل المخادع بكلامه المعسول المعنى: طلبت امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها منه أن يضاجعها، ودعته برفق ولين أن يواقعها، وتوسَّلت إليه بكل وسيلةٍ {وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ} أي غلّقت أبواب البيوت عليها وعلى يوسف وأحكمت إغلاقها، قال القرطبي: كانت سبعة أبواب غلّقتها ثم دعته إلى نفسها {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} أي هلُمَّ وأسرع فليس ثمة ما يُخشى، قال أبو حيّان: أمرته بأن يسرع إليها {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ} أي عياذاً بالله من فعل السوء، قال أبو السعود: وهذا إشارة إلى أنه منكر هائل يجب أن يعاذ بالله تعالى للخلاص منه، لما أراه الله من البرهان النيِّر على ما فيه من غاية القبح ونهاية السوء {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} أي إن زوجك هو سيدي العزيز الذي أكرمني وأحسن تعهدي فكيف أسيء إليه بالخيانة في حَرَمه؟ {إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} أي لا يضفر الظالمون بمطالبهم، ومنهم الخائنون المُجازون الإِحسانَ بالسوء، ثم أخبر تعالى أن امرأة العزيز حاولت إيقاعه في شراكها، وتوسَّلت إليه بكل وسائل الإِغراء، ولولا أنَّ الله جلَّ وعلا حفظه من كيدها لهلك فقال {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} أي همَّت بمخالطته عن عزمٍ وقصدٍ وتصميم، عزماً جازماً على الفاحشة لا يصرفها عنها صارف، وقصدت إجباره على مطاوعتها بالقوة، بعد أن استحكمت من تغليق الأبواب، ودعوته إلى الإِسراع، مما اضطره إلى الهرب إلى الباب {وَهَمَّ بِهَا} أي مالت نفسه إليها بمقتضى الطبيعة البشرية، وحدثته نفسُه بالنزول عند رغبتها حديث نفسٍ، دون عزمٍ وقصد، فبين الهمَّيْن فرق كبير، قال الإِمام الفخر الرازي: الهمُّ خطورُ الشيء بالبال أو ميلُ الطبع، كالصائم في الصيف يرى الماء البارد فتحمله نفسُه على الميل إليه وطلب شربه، ولكنْ يمنعه دينُه عنه {لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} جوابه محذوفٌ أي لولا حفظ الله ورعايتُه ليوسف، وعصمتُه له لخالطها وأمضى ما حدثته نفسه به، ولكنَّ الله عصمه بالحفظ والتأييد فلم يحصل منه شيءٌ البتَّة، قال أبو حيّان: نسب بعضُهم ليوسف ما لا يجوز نسبتُه لآحاد الفُسَّاق، والذي أختاره أن "يوسف" عليه السلام لم يقع منه همٌّ البتَّة، بل هو منفيٌّ لوجود رؤية البرهان كما تقول: "قارفتَ الذنبَ لولا أن عصمك الله" وكقول العرب: "أنتَ ظالمٌ إن فعلتَ" وتقديره: إن فعلتَ فأنتَ ظالم وكذلك هنا التقدير: لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها ولكنه وجد رؤية البرهان فانتفى الهمُّ، وأمّا أقوال السلف فنعتقد أنه لا يصح عن أحدٍ منهم شيءٌ من ذلك، لأنها أقوالٌ متكاذبة يناقضُ بعضُها بعضاً مع كونها قادحة في بعض فساق الملل فضلاً عن المقطوع لهم بالعصمة، وقال أبو السعود: إن همَّه بها بمعنى ميله إليها بمقتضى الطبيعة البشرية، ميلاً جبلياً، لا أنه قصدها قصداً اختيارياً، ألا يرى إلى ما سبق من استعصامه المنبئ عن كمال كراهيته له ونفرته عنه، وحكمه بعدم إفلاح الظالمين، وهل هو إلا تسجيلٌ باستحالة صدور الهمّ منه تسجيلاً محكماً؟ وما قيل: إنه حلَّ الهميان، وجلس مجلس الختان، فإنما هي خرافاتٌ وأباطيل، تمجها الآذان، وتردّها العقول والأذهان {كَذَلِكَ} أي ثبتناه على العفة أمام دوافع الفتنة والإِغراء لنصرف عنه المنكر والفجور، وهذه آيةٌ بيِّنة، وحجةٌ قاطعة على أنه عليه السلام لم يقع منه همٌّ بالمعصية، ولو كان كما زعموا لقال "لنصرفه عن السوء والفحشاء" فلما قال {لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ} دلَّ على أن ذلك شيء خارج عن الإِرادة فصرفه الله عنه، بما منحه من موجبات العفة والعصمة {وَالْفَحْشَاءَ} أي لنصرف عنه الزنى الذي تناهى قبحهُ {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} بفتح اللام أي الذين أخلصهم الله لطاعته، واصطفاهم واختارهم لوحيه ورسالته، فلا يستطيع أن يغويهم الشيطان .. ثم أخبر تعالى بما حصل من المفاجأة العجيبة بقدوم زوجها وهما يتسابقان نحو الباب، ولا تزال هي في هياجها الحيواني {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ} أي تسابقا نحو باب القصر، هو للهرب، وهي للطلب {وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ} أي شقت ثوبه من خلف لأنها كانت تلحقه فجذبته فشقت قميصه {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ} أي وجدا العزيز عند باب القصر فجأة وقد حضر في غير أوان حضوره، وبمهارة فائقة تشبه مهارة إبليس انقلب الوضع فأصبح الظالم مظلوماً، والبريء متهماً {قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي ما جزاؤه إلا السجن أو الضرب ضرباً مؤلماً وجيعاً {قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا} أي قال يوسف مكذباً لها: هي التي دعتني إلى مقارفة الفاحشة لا أني أردت بها السوء {وشهد شاهدٌ من أهلها} قال ابن عباس: كان طفلاً في المهد أنطقه الله، وكان ابن خالها، قال أبو حيّان: وكونُه من أهلها أوجب للحجة عليها، وأوثقُ لبراءة يوسف، وأنفى للتهمة {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} أي إن كان ثوبُه قد شُقَّ من أمام فهي صادقة وهو كاذب {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ} أي وإن كان ثوبه قد شُقَّ من الوراء فهي كاذبة وهو صادق، لأن الأمر المنطقي أن يُشق الثوب من خلف إن كانت هي الطالبة له وهو الهارب {فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ} أي فلما رأى زوجها أن الثوب قد شُقَّ من الوراء {قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ} أي إن هذا الأمر من جملة مكركن واحتيالكنَّ أيتها النسوة {إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} تأكيد لما سبق ذكره أي مكركنَّ معشر النسوة واحتيالكنَّ للتخلص مما دبرتُنَّ شيءٌ عظيم {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} أي يا يوسف أكتم هذا الأمر ولا تذكره لأحد، يقول سيد قطب عليه الرحمة والرضوان: وهنا تبدو صورةٌ من "الطبقة الراقية" في المجتمع الجاهلي، رخاوةٌ في مواجهة الفضائح الجنسية، وميلٌ إلى كتمانها عن المجتمع، فيلتفت العزيز إلى يوسف البريء ويأمره بكتم الأمر وعدم إظهاره لأحد، ثم يخاطب زوجهُ الخائن بأسلوب اللباقة في مواجهة الحادث الذي يثير الدم في العروق {وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ} أي توبي واطلبي المغفرة من هذا الذنب القبيح، وكأن هذا هو المهم محافظة على الظواهر {إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ} أي من القوم المتعمدين للذنب، وفي هذا إشارة إلى أن العزيز كان قليل الغَيْرة حيث لم ينتقم ممن أرادت خيانته، وتدنيس فراشه بالإِثم والفجور،قال ابن كثير: كان زوجها ليِّن العريكة سهلاً، أو أنه عذرها لأنها رأت ما لا صبر لها عنه.

 

مكيدة امرأة العزيز لنساء مصر وإيثار يوسف السجن على الوقوع في الفاحشة

 

{وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ(30)فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ(31)قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ(32)قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ(33)فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(34)ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ(35)}

 

      {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ} أي قال جماعة من النساء في مدينة مصر، روي أنهن خمس نسوة: امرأة ساقي العزيز، وامرأة الحاجب، وامرأة الخباز، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة صاحب السجن قاله ابن عباس وغيره، والأظهر أن تلك الواقعة شاعت في البلد، واشتهرت وتحدث بها النساء {امْرَأَةُ الْعَزِيزِ} أي امرأة عزيز مصر تطلب من خادمها وعبدها أن يواقعها وتخادعه وتتوسل إليه لقضاء وطرها منه،قال أبو حيان: وتصريحهن بإضافتها إلى العزيز مبالغة في التشنيع، لأن النفوس أميل لسماع أخبار ذوي الجاه، وعبَّرن بـ {تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ} للدلالة على أن ذلك صار سجيّةً لها فهي دائماً تخادعه عن نفسه لأن المضارع يفيد التجدد والاستمرار {قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا} أي بلغ حبُّه شَغَاف قلبها - وهو حجابه - وشقَّه حتى وصل إلى فؤادها {إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} أي إنا لنعتقد أنها في ضلال عن طريق الرشد واضح بسبب حبها إيّاه {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ} أي فلما سمعت بحديثهن، وسماه مكراً لأنه كان في خفية، كما يخفي الماكر مكره {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ} أي أرسلت إليهنَّ تدعوهنَّ إلى منزلها لحضور وليمة، قال المفسرون: دعت أربعين امرأةً من الذوات منهن النساء الخمس المذكورات {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً} أي هيأتْ لهنَّ ما يتكئن عليه من الفرش والوسائد {وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا} في الكلام محذوف أي قدمت لهن الطعام وأنواع الفاكهة ثم أعطت كل واحدةٍ منهنَّ سكيناً لتقطع به {وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} أي وقالت ليوسف وهنَّ مشغولات بتقشير الفاكهة والسكاكين في أيديهن: اخرجْ عليهنَّ فلم يشعرن إلا ويوسف يمرُّ من بينهن {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} أي فلما رأين يوسف أعظمْنه وأجللْنه، وبُهتن من جماله ودُهشن {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} أي جرحن أيديهن بالسكاكين لفرط الدهشة المفاجئة {وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ} أي تنزَّه الله عن صفات العجز، وتعالت عظمته في قدرته على خلق مثله {مَا هَذَا بَشَرًا} أي ليس هذا من البشر {إِنْ هَذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ} أي ما هو إلا مَلَك من الملائكة، فإن هذا الجمال الفائق، والحسن الرائع مما لا يكاد يوجد في البشر {قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} صرَّحت عند ذلك بما في نفسها من الحب ليوسف لأنها شعرت بأنها انتصرت عليهن فقالت قولة المنتصرة: هذا الذي رأيتموه هو ذلك العبد الكنعاني الذي لمتُنَّني في محبته، فانظرن ماذا لقيتنَّ منه من الافتتان والدهش والإِعجاب!! {وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ} أي أردت أن أنال وطري منه، وأن أقضي شهوتي معه، فامتنع امتناعاً شديداً، وأبى إباءً عنيفاً، قال الزمخشري: والاستعصام بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحفظ الشديد {وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} أي ولئن لم يطاوعني ليعاقبنَّ بالسجن والحبس وليكوننَّ من الأذلاء المهانين، قال القرطبي: عاودته المراودة بمحضرٍ منهنَّ، وهتكتْ جلباب الحياء، وتوعدتْ بالسجن إن لم يفعل، ولم تعد تخشى لوماً ولا مقالاً، خلاف أول أمرها إذ كان ذلك سراً بينها وبينه {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} لجأ يوسف إلى ربه وجعل يناجيه في خشوع وتضرع فقال: ربّ السجن آثرُ عندي وأحبُّ إلى نفسي من اقتراف الفاحشة، وأسند الفعل إليهن لأنهن جميعاً مشتركات في الدعوة بالتصريح أو التلويح، وقيل إنها لما توعدته نصحنه وزيَّن له مطاوعتها، ونهينه عن إلقاء نفسه في السجن {وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ} أي وإن لم تدفع عني شرهن وتعصمني منهن {أَصْبُ إِلَيْهِنَّ} أي أملْ إلى إجابتهن بمقتضى البشرية {وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} أي بسبب ما يدعونني إليه من القبيح، وهذا كله على سبيل التضرع والاستغاثة بجناب الله تعالى كعادة الأنبياء والصالحين {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ} أي أجاب الله دعاءه فنجّاه من مكرهن، وثبَّته على العصمة والعفة {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ} أي لدعاء الملتجئين إليه {الْعَلِيمُ} بأحوالهم وما انطوت عليه نياتهم .. وهكذا اجتاز يوسف محنته الثالثة بلطف الله ورعايته {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} هذه بداية المحنة الرابعة وهي الأخيرة من محن الشدة في حياة يوسف الصّديق وهي "محنة السجن" وكل ما بعدها فرخاء والمعنى ثم ظهر للعزيز وأهله من استشارهم بعد الدلائل القاطعة على براءة يوسف، سجنه إلى مدة من الزمن غير معلومة، روي أن امرأة العزيز لما استعصى عليها يوسف وأيست منه، احتالت بطريق آخر، فقالت لزوجها: إن هذا العبد العبراني قد فضحني في الناس يقول لهم : إني راودته عن نفسه وأنا لا أقدر على إظهار عذري، فإما أن تأذن لي فأخرج وأعتذر، وإما أن تحبسه، فعند ذلك بدا له سجنه، قال ابن عباس: فأمر به فحمل على حمار، وضُرب بالطبل، ونُودي عليه في أسواق مصر، إن يوسف العبراني أراد سيدته فجزاؤه أن يسجن، قال أبو صالح ما ذكر ابن عباس هذا الحديث إلا بكى.

 

(0) تعليقات

نجاة يوسف "عليه السلام" من الهلاك المحتم

نجاة يوسف "عليه السلام" من الهلاك المحتم

 

{وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ(19)وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ(20)}

 

      {وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ}أي قوم مسافرون مروا بذلك الطريق، قال ابن عباس: جاء قوم يسيرون من مدين إلى مصر فأخطأوا الطريق فانطلقوا يهيمون حتى هبطوا على الأرض التي فيها جب يوسف، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران {فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ} أي بعثوا من يستقي لهم الماء {فَأَدْلَى دَلْوَهُ} أي أرسل دلوه في البئر،قال المفسرون: لما أدلى الواردُ دلوه وكان يوسف في ناحيةٍ من قعر البئر تعلَّق بالحبل فخرج فلما رأى حسنه وجماله نادى {قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلامٌ} قاله على سبيل السرور والفرح لتبشير نفسه وجماعته، قال أبو السعود: كأنه نادى البشرى وقال تعاليْ فهذا أوانك حيث فاز بنعمة جليلة {وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً} أي أخفوا أمره عن الناس ليبيعوه في أرض مصر متاعاً كالبضاعة، والضمير يعود على الوارد وجماعته {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} أي لا يخفى عليه سبحانه أسرارهم، وما عزموا عليه في أمر يوسف {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} هذه هي المحنة الثانية في حياة يوسف الصدّيق وهي محنة الاسترقاق أي باعه أولئك المارة الذين استخرجوه من البئر بثمنٍ قليل منقوص هو عشرون درهماً كما قال ابن عباس {وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ} أي وكانوا في يوسف من الزاهدين الذين لا يرغبون فيه لأنهم التقطوه وخافوا أن يكون عبداً آبقاً فينتزعه سيّده من أيديهم، ولذلك باعوه بأبخس الأثمان.

 

تحقق بشارة يعقوب "عليه السلام" بنبوة يوسف "عليه السلام"

 

{وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ(21)وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(22)}

 

      {وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ}أي وقال الذي اشتراه من مدينة مصر لزوجته أكرمي إقامته عندنا، قال ابن عباس: كان اسم الذي اشتراه "قطفير" وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر {عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} أي عسى أن يكفينا بعض المهمات إذا بلغ أو نتبناه حيث لم يكن يولد لهما ولد {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ} أي وكما نجيناه من الجب جعلناه متمكناً في أرض مصر يعيش فيها بعز وأمان {وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ} أي نوفقه لتعبير بعض المنامات {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} أي لا يعجزه تعالى شيء {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} أي لا يعلمون لطائف صنعه وخفايا فضله {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} أي بلغ منتهى شدته وقوته وهو ثلاثون سنة {آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} أي أعطيناه حكمةً وفقهاً في الدين {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} أي المحسنين في أعمالهم.

 

(1) تعليقات

التآمر للتخلص من يوسف "عليه السلام"

التآمر للتخلص من يوسف "عليه السلام"

 

{لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ(7)إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ(8)اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ(9)قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ(10)}

 

      {لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ} أي لقد كان في خبر يوسف وإخوته الأحد عشر عبرٌ وعظاتٌ للسائلين عن أخبارهم {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا} هذه هي المحنة الأولى ليوسف عليه السلام أي حين قالوا: والله ليوسفُ وأخوه "بنيامين" أحبُّ منَّا عند أبينا، أرادوا أن زيادة محبته لهما أمر ثابتٌ لا شبهة فيه، وإنما قالوا {وأخوه} وهم جميعاً إخوة لأن أمهما كانت واحدة {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} أي والحال نحن جماعة ذوو عدد، نقدر على النفع والضر، بخلاف الصغيرين {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} أي إنه في خطأٍ وخروجٍ عن الصواب بيّن واضح، لإِيثاره يوسف وأخاه علينا بالمحنة، قال القرطبي: لم يريدوا ضلال الدين إذ لو أرادوه لكفروا، وإنما أرادوا أنه في خطأٍ بيِّن في إيثار اثنين على عشرة {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضًا} أي أُقتلوا يوسف أو ألقوه في أرض بعيدة مجهولة {يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} أي فعند ذلك يخلصْ ويصفو لكم حبُّ أبيكم، فيُقْبل عليكم، قال الرازي: المعنى إن يوسف شغله عنا وصرف وجهه إليه، فإذا فقده أقبل علينا بالمحبة والميل {وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ} أي وتتوبوا من بعد هذا الذنب وتصبحوا قوماً صالحين {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ} أي قال لهم أخوهم "يهوذا" وهو أكبر ولد يعقوب: لا تقتلوا يوسف بل ألقوه في قعر الجب وغوره {يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ} أي يأخذه بعض المارَّة من المسافرين {إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ} أي إن كان لا بدَّ من الخلاص منه فاكتفوا بذلك، وكان رأيه فيه أهون شراً من رأي غيره.

 

التخلص من يوسف "عليه السلام" ، وتلبيس الأمر على أبيه "عليه السلام"

 

{قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ(11)أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(12)قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ(13)قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ(14)فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ(15)وَجَاءوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ(16)قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ(17)وَجَاءوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ(18)}

       {قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ} المعنى أيُّ شيء حدث لك حتى لا تأمنا على أخينا يوسف، ونحن جميعاً أبناؤك؟ {وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ} أي ونحن نشفق عليه ونريد له الخير، قال المفسرون: لما أحكموا العزْم ذكروا هذا الكلام وأظهروا عند أبيهم أنهم في غاية المحبة ليوسف، وفي غاية الشفقة عليه، ليستنزلوه عن رأيه في تخوفه منهم وكأنهم قالوا: لِمَ تخافنا عليه ونحن نحبه ونريد الخير به ‍‍ {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} أي أرسله معنا غداً إلى البادية، يتوسع في أكل ما لذَّ وطاب، ويلهو ويلعب بالاستباق وغيره {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} أي ونحن نحفظه من كل سوء ومكروه، أكّدوا كلامهم بإنَّ واللام وهم كاذبون {قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ} أي قال لهم يعقوب: إنه ليؤلمني فراقُه لقلة صبري عنه {وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} أي وأخاف أن يفترسه الذئب في حال غفلتكم عنه، وكأنه لقنهم الحجة، قال الزمخشري: اعتذر إليهم بشيئين: أحدهما: أن ذهابهم به ومفارقته إيّاه مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة، والثاني: خوفه عليه من الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم ولعبهم {قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ} اللام للقسم أي والله لئن أكله الذئب ونحن جماعة أقوياء أشداء إنا لمستحقون أن يُدعى علينا بالخسار والدمار {فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ} في الكلام محذوف أي فأرسله معهم فلما أخذوه وابتعدوا به عن أبيه {وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ} أي عزموا واتفقوا على إلقائه في غور الجب {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} أي أوحينا إلى يوسف لتخبرنَّ إخوتك بفعلهم هذا الذي فعلوه بك وهم لا يشعرون في ذلك الوقت أنك يوسف،قال الرازي: وفائدة هذا الوحي تأنيسُه، وتسكينُ نفسه، وإزالةُ الغمّ والوحشةِ عن قلبه، بأنه سيحصل له الخلاص من هذه المحنة {وَجَاءوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ} أي رجعوا إلى أبيهم وقت العشاء ليلاً وهم يبكون، روي أنه لما سمع يعقوب بكاءهم فزع، وقال: ما لكم يا بَنيَّ، وأين يوسف؟ {قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} أي نتسابق في العَدْو، أو في الرمي {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ} أي تركنا يوسف عند ثيابنا وحوائجنا ليحفظها فجاء الذئب فافترسه {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} أي لست بمصدّق لنا في هذه المقالة ولو كنا في الواقع صادقين، فكيف وأنت تتهمنا وغير واثق بقولنا؟ وهذا القول منهم يدل على الارتياب، وكما قيل: يكاد المريبُ يقول خذوني {وَجَاءوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} أي جاءوا على ثوبه بدمٍ كاذب، وُصِفَ بالمصدر مبالغةً كأنه نفسُ الكذب وعينُه،قال ابن عباس: ذبحوا شاة ولطخوا بدمها القميص فلما جاءوا يعقوب قال: كذبتم لو أكله الذئب لخرقَ القميص وروي أنه قال: "ما أحلم هذا الذئب أكل ابني ولم يشقَّ قميصه؟ {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا} أي زيَّنت لكم أنفسكم أمراً في يوسف وليس كما زعمتم أن الذئب أكله {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} أي أمري صبرٌ جميل لا شكوى فيه {وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} أي وهو سبحانه عوني على تحمل ما تصفون من الكذب.

 

(1) تعليقات

الإشارة إلى بعض وجوه الإعجاز في القرآن الكريم

الإشارة إلى بعض وجوه الإعجاز في القرآن الكريم

 

{الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ(1)إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(2)نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ(3)}

 

      {الر} إشارة إلى الإِعجاز، فمن هذه الحروف وأمثالها تتألف آيات الكتاب المعجز {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} أي تلك الآيات التي أنزلت إليك يا محمد هي آيات الكتاب المعجز في بيانه، الساطع في حججه وبراهينه، الواضح في معانيه، الذي لا تشتبه حقائقه، ولا تلتبس دقائقُه {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} أي أنزلناه بلغة العرب كتاباً عربياً مؤلفاً من هذه الأحرف العربية {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي لكي تعقلوا وتدركوا أن الذي يصنع من الكلمات العادية هذا الكتاب المعجز ليس بشراً، وإنما هو إله قدير، وهذا الكلام وحيٌ منزل من رب العالمين {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} أي نحن نحدثك يا محمد ونروي لك أخبار الأمم السابقة، بأصدق كلام، وأحسن بيان، {بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ} أي بإيحائنا إليك هذا القرآن المعجز {وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ} أي وإنَّ الحال والشأن أنك كنتَ من قبل أن نوحي إليك هذا القرآن لمن الغافلين عن هذه القصة، لم تخطر ببالك، ولم تقرعْ سمعك، لأنك أميٌّ لا تقرأ ولا تكتب.

 

تبشير يعقوبُ عليه السلام يوسفَ بالنبوة

 

{إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ(4)قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ(5)وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(6)}

 

      {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا} من هنا بدايةُ القصة، أي اذكر حين قال يوسفُ لأبيه يعقوب يا أبي إني رأيت في المنام هذه الرؤيا العجيبة، رأيت أحد عشر كوكباً من كواكب السماء خرّت ساجدةً لي {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} أي ورأيت في المنام الشمس والقمر ساجدين لي مع الكواكب، قال ابن عباس: كانت الرؤيا فيهم وحياً،قال المفسرون: الكواكب الأحد عشر كانت إخوته، والشمس والقمر أبواه، وكان سنه إذ ذاك اثنتي عشرة سنة، وبين هذه الرؤيا واجتماعه بأبيه وإخوته في مصر أربعون سنة {قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ} أي قال له يعقوب: لا تخبرْ بهذه الرؤيا إِخوتك {فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا} أي فيحتالوا لإِهلاكك حيلةً عظيمة لا تقدر على ردّها {إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} أي ظاهر العداوة، قال أبو حيان: فهم يعقوب من رؤيا يوسف أن الله تعالى يبلّغه مبلغاً من الحكمة، ويصطفيه للنبوة،وينعم عليه بشرف الدارين، فخاف عليه من حسد إخوته فنهاه أن يقصَّ رؤياه عليهم {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ} أي وكما أراك مثل هذه الرؤيا العظيمة كذلك يختارك ربك للنبوة {وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ} أي يعلمك تفسير الرؤيا المناميَّة {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ} أي يتمم فضله وإنعامه عليك وعلى ذرية أبيك يعقوب {كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ} أي كما أكمل النعمة من قبل ذلك على جدك إبراهيم وجدك إسحاق بالرسالة والاصطفاء {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي عليمٌ بمن هو أهلٌ للفضل، حكيم في تدبيره لخلقه.

 

(3) تعليقات

سورة يوسف

بَيْن يَدَيْ السُّورَة

 

      *سورة يوسف إحدى السور المكية التي تناولت قصص الأنبياء، وقد أفردت الحديث عن قصة نبي الله "يوسف بن يعقوب" وما لاقاه عليه السلام من أنواع البلاء، ومن ضروب المحن والشدائد، من إخوته ومن الآخرين، في بيت عزيز مصر، وفي السجن، وفي تآمر النسوة، حتى نجاه الله من ذلك الضيق، والمقصودُ بها تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بما مرَّ عليه من الكرب والشدة، وما لاقاه من أذى القريب والبعيد.

 

      *والسورة الكريمة أسلوبٌ فذٌ فريد، في ألفاظها، وتعبيرها، وأدائها، وفي قَصَصها الممتع اللطيف، تسري مع النفس سريان الدم في العروق، وتجري-برقتها وسلاستها- في القلب جريان الروح في الجسد، فهي وإن كانت من السورة المكية، التي تحمل -في الغالب- طابع الإنذار والتهديد، إلا أنها اختلفت عنها في هذا الميدان، فجاءت طريَّةً نَدِيّة، في أسلوب ممتع لطيف، سَلِسٍ رقيق، يحمل جو الأنس والرحمة، والرأفة والحنان، ولهذا قال خالدُ بن مَعْدان : "سورة يوسف ومريم ممَّا يتفكَّه بها أهل الجنة في الجنة" وقال عطاء: "لا يسمع سورة يوسف محزونٌ إلا استراح إليها".

 

      *نزلت السورة الكريمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد سورة "هود"، في تلك الفترة الحرجة العصبية من حياة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، حيث توالت الشدائد والنكبات عليه وعلى المؤمنين، وبالأخص بعد أن فقد عليه السلام نصيريه: زوجه الطاهر الحنون "خديجة" وعمَّه "أبا طالب" الذي كان له خير نصير، وخير معين، وبوفاتهما اشتد الأذى والبلاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين، حتى عُرف ذلك العام بـ "عام الحُزْن".

 

      *وفي تلك الفترة العصبية من حياة الرسول الكريم، وفي ذلك الوقت الذي كان يعاني فيه الرسول والمؤمنون الوحشة والغربة، والانقطاع في جاهلية قريش، كان الله سبحانه ينزِّل على نبيه الكريم هذه السورة تسليةً له، وتخفيفاً لآلامه، بذكر قصص المرسلين، وكأن الله تعالى يقول لنبيه عليه السلام:لا تحزن يا محمد ولا تتفجع لتكذيب قومك، وإيذائهم لك، فإن بعد الشدة فَرَجاً، وإن بعد الضيق مخرجاً، أُنظر إلى أخيك "يوسف" وتمعَّنْ ما حدث له من صنوف البلايا والمِحَن، وألوان الشدائد والنكبات، وما ناله من ضروب المِحَن: محنة حَسد إخوته وكيدهم له، ومحنة رميه في الجب، ومحنة تعلق امرأة العزيز به وعشقها له، ثم مراودته عن نفسه بشتى طرق الفتنة والإغراء، ثم محنة السجن بعد ذلك العزِّ ورغد العيش!! انظر إليه كيف أنه لما صبر على الأذى في سبيل العقيدة، وصبر على الضر والبلاء، نقله الله من السجن إلى القصر، وجعله عزيزاً في أرض مصر، وملَّكه الله خزائنها، فكان السيد المطاع، والعزيز المكرَّم.. وهكذا أفعل بأوليائي، ومن صبر على بلائي، فلا بدَّ أن توطَّد النفس على تحمل البلاء، اقتداءً بمن سبقك من المرسلين {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35] {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} [النحل: 127].

     

      * وهكذا جاءت قصة يوسف تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلقاه، وجاءت تجمل البِشْرَ والأنس، والراحة، والطمأنينة لمن سار على درب الأنبياء، فلا بدَّ من الفرج بعد الضيق، ومن اليسر بعد العُسر، وفي السورة دروسٌ وعبر، وعظات بالغات، حافلات بروائع الأخبار العجيبة، والأنباء الغريبة {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37].

 

      *هذا هو جوُّ السورة، وهذه إيحاءاتُها ورموزُها.. تُبشِّر بقرب النصر، لمن تمسَّك بالصبر، وسار على طريق الأنبياء والمرسلين، والدعاء المخلصين، فهي سلوى للقلب، وبلسمٌ للجروح، وقد جرت عادة القرآن الكريم بتكرير القصة في مواطن عديدة، بقصد "العظة والاعتبار" ولكنْ بإيجاز دون توسع، لاستكمال جميع حلقات القصة، وللتشويق إلى سماع الأخبار دون سآمة أو ملل، وأما سورة يوسف فقد ذُكرت حلقاتها هنا متتابعة بإسهاب وإطناب، ولم تكرر في مكان آخر كسائر قَصص الرسل، لتشير إلى "إعجاز القرآن" في المجمل والمفصَّل، وفي حالتي الإيجاز والإطناب، فسبحان المَلِك العلي الوهاب.

 

      قال العلامة القرطبي: ذكر الله أقاصيص الأنبياء في القرآن، وكررها بمعنى واحد، وفي وجوه مختلفة، وبألفاظ متباينة، على درجات البلاغة والبيان، وذكر قصة يوسف عليه السلام ولم يكررها، فلم يقدر مخالف على معارضة المكرر، ولا على معرضة غير المكرر، والإعجاز واضح لِمَنْ تأمل. وصدق الله {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ}!.

 

قال الله تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ}.. إلى {آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}.من آية (1) إلى نهاية آية (22).

  

(3) تعليقات

الأمر بالاستقامة والتحذير من الركون إلى الظلمة

الأمر بالاستقامة والتحذير من الركون إلى الظلمة

 

        {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(112)وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ(113)}

 

        {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} أي استقم يا محمد على أمر الله واثبُت وداوم على الاستقامة كما أمركَ ربُّك {وَمَنْ تَابَ مَعَكَ} أي ومن تاب من الشرك والكفر وآمن معك {وَلا تَطْغَوْا} أي لا تجاوزوا حدود الله بارتكاب المحارم {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي إِنه تعالى مطّلع على أعمالكم ويجازي عليها {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ} أي لا تميلوا إلى الظلمة من الولاة وغيرهم من الفسقة الفجرة فتمسكم نار جهنم،قال البيضاوي: الركونُ هو الميل اليسير أي لا تميلوا إِليهم أدنى ميل فتمسكم النار بركونكم إِليهم، وإِذا كان الركونُ اليسير إِلى من وجد منه ما يسمى ظلماً كذلك، فما ظنك بالركون إِلى الظالمين الموسومين بالظلم، والميل إِليهم كلَّ الميل؟! {وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ} أي ليس لكم من يمنعكم من عذابه ثم لا تجدون من ينصركم من ذلك البلاء، قال القرطبي: والآية دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي فإِن صحبتهم كفرٌ أو معصية إِذْ الصحبةُ لا تكون إِلا عن مودَّة، وأما صحبة الظالم على التقيَّة فمستثناةٌ من النهي بحال الاضطرار.

 

الاستعانة بالطاعات على إذهاب السيئات

       

        {وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ(114)وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(115)}

 

        {وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفي النَّهَارِ} أي أقم الصلاة المكتوبة على تمامها وكمالها أول النهار وآخره، والمراد صلاة الصبح والعصر لأنهما طرفا النهار {وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ} أي ساعاتٍ منه قريبةً من النهار، والمراد بهما المغرب والعشاء {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} أي إِن الأعمال الصالحة ومنها الصلوات الخمس تكفّر الذنوب الصغائر، لحديث (الصلواتُ الخمسُ كفارةٌ لما بينها ما اجتُنبتْ الكبائرُ) قال المفسرون: المراد بالحسنات الصلواتُ الخمسُ واستدلوا على ذلك بسبب النزول، وهذا قول الجمهور، والأظهر أن المراد بها العموم وهو اختيار ابن كثير حيث قال: المعنى إِن فعل الخيرات يكفّر الذنوب السالفة كما جاء في الحديث (ما من مسلم يُذنب ذنباً فيتوضأ ويصلي ركعتين إِلا غُفر له) {ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} أي ذلك المذكور من الاستقامة والمحافظة على الصلاة، عظةٌ للمتعظين وإِرشادٌ للمسترشدين {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} أي اصبر يا محمد على ما تلقى من المكاره ومن أذى المشركين، فإِنَّ الله معك وهو لا يضيع ثواب المحسنين.

 

عاقبة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

 

        {فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأرْضِ إِلا قَلِيلا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ(116)وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ(117)وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ(118)إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(119)}

 

        {فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأرْضِ} أي فهلاَّ كان من الأمم الماضية قبلكم أُولُو عقل وفضل، وجماعةٌ أخيارٌ ينهون الأشرار عن الإِفساد في الأرض {إِلا قَلِيلا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ} استثناء منقطع أي لكنْ قليلاً منهم، نهَوْا عن الفساد فَنَجَوْا قال أبو حيّان: "لولا" في الآية للتحضيض صحبها معنى التأسف والتفجع مثل قوله {يا حسرةً على العباد} والغرضُ التأسف على تلك الأمم التي لم تهتد كقوم نوح وعاد وثمود ومن تقدم ذكره {وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ} أي واتَّبع أولئك الظلمة شهواتهم، وما نُعّموا به من الاشتغال بالمال واللذات وآثروها على الآخرة {وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} أي وكانوا قوماً مصرِّين على الإِجرام {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} أي ما جرت عادة الله تعالى أن يهلك القرى ظلماً وأهلُها مصلحون في أعمالهم، لأنه تعالى منزّه عن الظلم، وإِنما يهلكهم بكفرهم ومعاصيهم {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي لو شاء الله لجعل الناس كلَّهم مؤمنين مهتدين على ملة الإِسلام، ولكنَّه لم يفعل ذلك للحكمة {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} أي ولا يزالون مختلفين على أديان شتى، وملل متعددة ما بين يهودي، ونصراني، ومجوسي، {إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} إِلا ناساً هداهم الله من فضله وهم أهل الحق {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} اللام لامُ العاقبة أي خلقهم لتكون العاقبة اختلافهم ما بين شقي وسعيد، قال الطبري: المعنى وللاختلاف بالشقاء والسعادة خلقهم، فريق في الجنة، وفريقٌ في السعير {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} أي تمَّ أمر الله ونفذ قضاؤه بأن يملأ جهنم من الجنّ والإِنس من الكفرة الفجرة جميعاً، قال الألوسي: والجملة متضمنة معنى القسم ولذا جيء باللام في {لأَمْلأَنَّ} وكأنه قال: واللهِ لأملأن جهنم من أتباع إِبليس من الإِنس والجن أجمعين.

 

الحكمة من قصص الأنبياء والحث على مزيد من الطاعات

 

        {وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ(120)وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ(121)وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ(122)وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(123)}

 

        {وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} أي كل هذه الأخبار التي قصصناها عليك يا محمد من أخبار الرسل السابقين، إِنما هي بقصد تثبيتك على أداء الرسالة، وتطمين قلبك، ليكون لك بمن مضى من إِخوانك المرسلين أسوة فتصبر كما صبروا {وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ} أي جاءك في هذه القصص التي قصها الله عليك النبأ اليقيني الصادق {وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} أي وجاءك في هذه الأخبار أيضاً ما فيه عظة وعبرة للمعتبرين، وخصَّ المؤمنين بالذكر لانتفاعهم بمواعظ القرآن {وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ} أي اعملوا على طريقتكم ومنهجكم إِنا عاملون على طريقتنا ومنهجنا، وهو أمرٌ ومعناه التهديد والوعيد {وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ} تهديدٌ آخر أي انتظروا ما يحلُّ بنا إِنا منتظرون ما يحل بكم من عذاب الله {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي علمُ ما غاب وخفي فيهما، كلُّ ذلك بيده وبعلمه {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ} أي إِليه يردُّ أمر كل شيء، فينتقم ممن عصى، ويثيب من أطاع وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتهديد للكفار بالانتقام منهم {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} أي اعبد ربَّك وحده، وفوّض إِليه أمرك، ولا تعتمدْ على أحدٍ سواه، فإِنه كافي من توكَّل عليه {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} أي لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد، ويجازي كلاً بعمله.

 

 

(4) تعليقات

العبرة بجزاء الآخرة لكل من الأشقياء والسعداء

العبرة بجزاء الآخرة لكل من الأشقياء والسعداء

 

        {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ(103)وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأَجَلٍ مَعْدُودٍ(104)يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ(105)فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ(106)خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ(107)وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ(108)فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ(109)}

 

        {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ} أي إِن في هذه القصص والأخبار لعظة وعبرة لمن خاف عذاب الله وعقابه في الآخرة {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ} أي يجتمع فيه الخلائق للحساب والثواب والعقاب {وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} أي يشهده أهل السماء والأرض، والأولون والآخرون، قال ابن عباس: يشهده البر والفاجر {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأَجَلٍ مَعْدُودٍ} أي ما نؤخر ذلك اليوم - يوم القيامة - إِلا لزمنٍ معيَّن سبق به قضاء الله، لا يتقدم ولا يتأخر {يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ} أي يوم يأتي ذلك اليوم الرهيب لا يتكلم أحدٌ إِلا بإِذن الله تعالى {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} أي فمن أهل الموقف شقيٌّ، ومنهم سعيد كقوله {فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير} {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا} أي فأما الأشقياء الذين سبقت لهم الشقاوة فإِنهم مستقرون في نار جهنم، لهم من شدة كربهم {زَفِيرٌ} وهو إِخراج النَّفَس بشدة {وَشَهِيقٌ} وهو ردٌّ النَّفَس بشدة، وقال بعض المفسرين: شبِّه صراخهم في جهنم بأصوات الحمير، قال الطبري: في روايته عن قتادة: صوتُ الكافر في النار صوت الحمار، أوله زفير وآخره شهيق {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} أي ماكثين في جهنم أبداً على الدوام ما دامت السماوات والأرض، قال الطبري: إِن العرب إِذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبداً قالت: هذا دائمٌ دوام السماوات والأرض بمعنى أنه دائمٌ أبداً، فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفون به بينهم، قال ابن زيد: ما دامت السماء سماءً، والأرض أرضاً والمعنى خالدين فيها أبداً، وقال الزمخشري: فيه وجهان: أحدهما أن تراد سماوات الآخرة وأرضها وهي دائمة مخلوقة للأبد، والثاني: أن يكون عبارة عن التأبيد ونفي الانقطاع {إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ} الاستثناء في أهل التوحيد، لأن لفظة {شَقُوا} تعم الكفار والمذنبين، فاستثنى الله من خلود أهل الشقاوة العصاة من المؤمنين، فإِنهم يطهرون في نار جهنم ثم يخرجون منها بشفاعة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ويدخلهم الله الجنة ويقال لهم: {طبتم فادخلوها خالدين} {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} أي يفعل ما يريد يرحم ويعذب كما يشاء ويختار، لا معقّب لحكمه، ولا رادّ لقضائه {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ} هذا بيانٌ لحال الفريق الثاني "أهل السعادة" اللهم اجعلنا منهم أي وأما السعداء الأبرار فإِنهم مستقرون في الجنة، لا يُخْرجون منها أبداً، دائمون فيها دوام السماوات والأرض، أو ما دامت سماواتُ الجنة وأرض الجنة حسب مشيئته تعالى، وقد شاء تعالى لهم الخلود والدوام {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} أي عطاءً غير مقطوع عنهم، بل هو ممتد إِلى غير نهاية {فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ} أي لا تكن في شكٍ من عبادة هؤلاء المشركين في أنها ظلال بمعنى لا تشك في فساد دينهم {مَا يَعْبُدُونَ إِلا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ} أي هم متبعون لآبائهم تقليداً من غير حجة ولا برهان، وهذه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ووعدٌ له بالانتقام منهم، إِذ حالُهم حالُ من سبقهم من الضالين المكذبين، وقد بلغك ما نزل بأسلافهم فسينزل بهم مثله {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ} أي وسنعطيهم جزاءهم من العذاب كاملاً غير منقوص، وقال ابن عباس: ما قُدِّر لهم من الخير والشر.

 

اختلاف الناس على أنبيائهم بين مؤمن بهم وكافر

 

        {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ(110)وَإِنَّ كُلا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(111)}

 

        {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ}قال الطبري: يقول تعالى مسلياً نبيه في تكذيب مشركي قومه له: لا يحزنك يا محمد تكذيب هؤلاء لك، فلقد آتينا موسى التوراة كما آتيناك الفرقان، فاختلف في ذلك الكتاب، فكذَّب به بعضُهم، وصدَّق به بعضُهم، كما فعل قومك {وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} أي ولولا حكم الله السابق بتأخير الحساب والجزاء إِلى يوم القيامة لقُضي بينهم في الدنيا فجوزي المحسن بإِحسانه، والمسيء بإِساءته، ولكن سبق القدر بتأخير الجزاء إِلى يوم الحساب {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} أي وإِن كفار قومك لفي شك من هذا القرآن مُريب لهم، إِذ لا يدرون أحقٌ هو أم باطل؟ {وَإِنَّ كُلا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ} أي وإِنَّ كلاً من المؤمنين والكافرين لمَّا ينالوا جزاء أعمالهم وسيوفيهم ربُّك جزاءها في الآخرة {إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي عليمٌ بأعمالهم جميعاً، صغيرها وكبيرها، وسيجازيهم عليها.

 

(10) تعليقات

إعراض قوم موسى واتباعهم لفرعون

إعراض قوم موسى واتباعهم لفرعون

 

        {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ(96)إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ(97)يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ(98)وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ(99)}

 

        {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ} هذه هي القصة السابعة وهي آخر القصص في هذه السورة والمعنى: لقد أرسلنا موسى بشرائع وأحكام وتكاليف إِلهية، وأيدناه بمعجزاتٍ قاهرة، وبينات باهرة، كالعصا واليد {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ} أي إِلى فرعون وأشراف قومه {فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ} أي فأطاعوا أمر فرعون وعصوا أمر الله {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} أي وما أمر فرعون بسديد لأنه ليس فيه رشد ولا هدى، وإِنما هو جهل وضلال {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي يتقدم أمامهم إِلى النار يوم القيامة كما كان يتقدمهم في الدنيا {فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ} أي أدخلهم نار جهنم {وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} أي بئس المدخل المدخول هي {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً} أي أُلحقوا فوق العذاب الذي عجله الله لهم لعنةً في الدنيا {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي وأُردفوا بلعنةٍ أخرى يوم القيامة {بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} أي بئس العونُ المُعان والعطاء المُعْطى لهم، وهي اللعنة في الدارين.

 

العظة والاعتبار من الأمم الظالمة

 

        {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ(100)وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ(101)وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ(102)}

 

        {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ} أي ذلك القصص من أخبار القرى التي أهلكنا أهلها بكفرهم وتكذيبهم الرسل، نقصه عليك يا محمد ونخبرك عنه بطريق الوحي {مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ} أي من هذه القرى ما هو عامر قد هلك أهلُه وبقي بنيانُه، ومنها ما هو خراب قد اندثر بأهله فلم يبق له أثر كالزرع المحصود {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} أي وما ظلمناهم بإِهلاكهم بغير ذنب، ولكنْ ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي فاستحقوا عذاب الله ونقمته {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} أي ما نفعتهم آلهتهم التي عبدوها من دون الله، ولا دفعت عنهم شيئاً من عقاب الله وعذابه {لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ} أي حين جاء قضاء الله بعذابهم {وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ} أي وما زادتهم تلك الآلهة غير تخسير وتدمير {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ} أي مثل ذلك الأخذ والإِهلاك الذي أخذ الله به أهل القرى الظالمين المكذبين، يأخذ تعالى بعذابه الفجرة الظلمة،قال الألوسي: وفي الآية من إِنذار الظالم ما لا يخفى كما قال عليه السلام (إِن الله ليُملي للظالم حتى إِذا أخذه لم يفلته) ثم قرأ الآية {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} أي إِن عذابه موجع شديد، وهذا مبالغة في التهديد والوعيد.

 

(10) تعليقات

قصة شعيب عليه السلام مع قومه

قصة شعيب عليه السلام مع قومه

 

        {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ(84)وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ(85)بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ(86)قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ(87)قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ(88)وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ(89)وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ(90)قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ(91)قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ(92)وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ(93)وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ ءامنوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتْ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ(94)كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ(95)}

 

        {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} هذه هي القصة السادسة من القصص المذكورة في هذه السورة أي وأرسلنا إِلى قبيلة مدين أخاهم شعيباً، وقد كان شعيب من نفس القبيلة ولهذا قال "أخاهم" {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} أي اعبدوا الله وحده فليس لكم ربٌ سواه {وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ} أي لا تنقصوا الناس حقوقهم في المكيال والميزان، وقد اشتهروا بتطفيف الكيل والوزن {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} أي إِني أراكم في سعةٍ تغنيكم عن نقص الكيل والميزان، قال القرطبي: أي في سعة من الرزق، وكثرةٍ من النعم {وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} أي إِني أخاف عليكم إِن لم تؤمنوا عذاب يومٍ مهلك، لا يفلت منه أحد، والمراد به عذاب يوم القيامة {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} أي أتموا الكيل والوزن للناس بالعدل {وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} أي لا تُنْقصوهم من حقوقهم شيئاً {وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} أي ولا تسعوا بالفساد في الأرض، والعثيُّ أشد الفساد {بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} أي ما أبقاه الله لكم من الحلال خيرٌ مما تجمعونه من الحرام، إِن كنتم مصدّقين بوعد الله ووعيده، وقال مجاهد: أي طاعة الله خير لكم {وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} أي ولستُ برقيب أحفظ عليكم أعمالكم وأجازيكم بها وإِنما أنا ناصح مبلّغ، وقد أعذر من أنذر {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} لما أمرهم شعيب عليه السلام بعبادة الله تعالى وترك عبادة الأوثان، وبإِيفاء الكيل والميزان، ردّوا عليه على سبيل السخرية والاستهزاء فقالوا: أصلاتك تدعوك لأن تأمرنا بترك عبادة الأصنام التي عبدها آباؤنا؟ إِن هذا لا يصدر عن عاقل {أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} أي وتأمرك بأن نترك تطفيف الكيل والميزان. قال الإِمام الفخر: إِن شعيباً أمرهم بشيئين: بالتوحيد، وترك البخس، فأنكروا عليه أمره بهذين النوعين فقوله {ما يعبد آباؤنا} إِشارة إِلى التوحيد، وقوله {نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا} إِشارة إِلى ترك البخس، وقد يراد بالصلاة الدينُ والمعنى: دينُك يأمرك بذلك؟ وأطلق عليه الصلاة لأنها أظهر شعار الدين، وروي أن شعيباً كان كثير الصلاة وكان قومه إِذا رأوه يصلي تغامزوا وتضاحكوا، فقصدوا بقولهم {أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ} السخرية والهزء، كما إِذا رأيت معتوهاً يطالع كتباً ثم يذكر كلاماً فاسداً فتقول: هذا من مطالعة تلك الكتب؟ {إِنَّكَ لأنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} أي إِنك لأنت العاقل المتصف بالحلم والرشد؟ قال الطبري: يستهزئون به فإِنهم أعداء الله قالوا له ذلك استهزاءً، وإِنما سفّهوه وجهّلوه بهذا الكلام {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍمِنْ رَبِّي} أي قال لهم شعيب: أخبروني إِن كنت على برهانٍ من ربي وهو الهداية والنبوة {وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا} أي أعطاني المال الحلال، فقد كان عليه السلام كثير المال، قال الزمخشري: والجواب محذوف دل عليه المعنى أي أخبروني إِن كنت على حجة واضحة، ويقينٍ من ربي، وكنتُ نبياً على الحقيقة أيصح لي أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان، والكف عن المعاصي؟ والأنبياء لا يُبعثون إِلا لذلك {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} أي لست أنهاكم عن شيء وأرتكبه وإِنما آمركم بما آمر به نفسي {إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} أي لا أريد فيما آمركم به وأنهاكم عنه إِلا إصلاحكم وإِصلاح أمركم بقدر استطاعتي {وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ} أي ليس التوفيق إِلى الخير إِلا بتأييده سبحانه ومعونته {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} أي على الله سبحانه اعتمدت في جميع أموري، وإِليه تعالى أرجع بالتوبة والإِنابة {وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي} أي لا يكسبنكم عداوتي {أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ} أي يصيبكم العذابُ كما أصاب قوم نوح بالغرق، وقوم هود بالريح، وقوم صالح بالرجفة، وقال الحسن: المعنى لا يحملنكم معاداتي على ترك الإِيمان فيصيبكم ما أصاب الكفار {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} أي وما ديار الظالمين من قوم لوطٍ بمكان بعيد، أفلا تتعظون وتعتبرون!؟ {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} أي استغفروا ربكم من جميع الذنوب، ثم توبوا إِليه توبةً نصوحاً {إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} أي إِنه جل وعلا عظيم الرحمة، كثير الود والمحبة لمن تاب وأناب {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} أي قالوا لنبيّهم شعيب على وجه الاستهانة: ما نفهم كثيراً مما تحدثنا به، قال الألوسي: جعلوا كلامه المشتمل على فنون الحِكَم والمواعظ، وأنواع العلوم والمعارف، من قبيل التخليط والهذيان الذي لا يُفهم معناه، ولا يدرك فحواه مع أنه كما ورد في الحديث الشريف (خطيب الأنبياء) {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا} أي لا قوة لك ولا عزَّ فيما بيننا {وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ} أي ولولا جماعتك لقتلناك رمياً بالأحجار {وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} أي لستَ عندنا بمكرَّم ولا محترم حتى نمتنع من رجمك {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ}؟ هذا توبيخ لهم أي أتتركوني لأجل قومي ولا تتركوني إعظاماً لجناب الرب تبارك وتعالى؟ فهل عشيرتي أعزّ عندكم من الله وأكرم؟ قال ابن عباس: إِن قوم شعيب ورهطه كانوا أعزَّ عليهم من الله وصغُر شأنُ الله عندهم، عزَّ ربنا وجلَّ ثناؤه {وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} أي جعلتم الله خلف ظهوركم لا تطيعونه ولا تعظمونه كالشيء المنبوذ وراء الظهر لا يُعبأ به، وهذا مثلٌ،قال الطبري: يقال للرجل إذا لم يقض حاجة الرجل: نبذ حاجته وراء ظهره أي تركها ولم يلتفت إليها {إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} أي إنه جل وعلا قد أحاط علماً بأعمالكم السيئة وسيجازيكم عليها {وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ} تهديدٌ شديد أي اعملوا على طريقتكم إني عاملٌ على طريقتي كأنه يقول: اثبتوا على ما أنتم عليه من الكفر والعداوة، فأنا ثابت على الإِسلام والمصابرة {سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} أي سوف تعلمون الذي يأتيه عذاب يذله ويهينه {وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ} أي وتعلمون من هو الكاذب {وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} أي انتظروا عاقبة أمركم إنني منتظر معكم {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ ءامنوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا} أي ولما جاء أمرنا بإِهلاكهم نجينا شعيباً والمؤمنين معه بسبب رحمة عظيمة منا لهم {وَأَخَذَتْ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} أي وأخذ أولئك الظالمين صيحةُ العذاب، قال القرطبي: صاح بهم جبريل صيحةً فخرجت أرواحهم من أجسادهم {فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} أي موتى هامدين لا حراك بهم، قال ابن كثير: وذكر ههنا أنه أتتهم صيحة، وفي الأعراف رجفة، وفي الشعراء عذاب يوم الظلة، وهم أمةٌ واحدة اجتمع عليهم يوم عذابهم هذه النقم كلّها، وإِنما ذكر في كل سياقٍ ما يناسبه {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} أي كأنّهم لم يعيشوا ويقيموا في ديارهم قبل ذلك {أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} قال الطبري: أي ألا أبعد الله مدين من رحمته بإِحلال نقمته، كما بعدت من قبلهم ثمود من رحمته بإِنزال سخطه بهم.

 

(0) تعليقات

قصة لوط عليه السلام مع قومه

قصة لوط عليه السلام مع قومه

 

{وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ(77)وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ(78)قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ(79)قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ(80)قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمْ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ(81)فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ(82)مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ(83)}

 

        {وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ} أي ولما جاءت الملائكة لوطاً أصابه سوء وضجر، لأنه ظهر أنهم من البشر فخاف عليهم من قومه {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا} أي ضاق صدره بمجيئهم خشيةً عليهم من قومه الأشرار {وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} أي شديد في الشر {وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} أي جاء قومه يسرعون إِليه لطلب الفاحشة بالضيوف كأنهم يدفعون إِلى ذلك دفعاً {وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} أي ومن قبل ذلك الحين كانت عادتهم إِتيان الرجال وعمل الفاحشة فلذلك لم يستحيوا حين جاءوا يهرعون لها مجاهرين،قال القرطبي: وكان سبب إِسراعهم أن امرأة لوط الكافرة لما رأت الأضياف وجمالهم، خرجت حتى أتت مجلس قومها فقالت لهم: إِن لوطاً قد أضاف الليلة فتيةً ما رأيت مثلهم جمالاً فحينئذٍ جاءوا يُهرعون إِليه {قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} أي قال لهم لوط: هؤلاء نساء البلدة أُزوِّجكم بهن فذلك أطهر لكم وأفضل، وإِنما قال بناتي لأن كل نبيٍّ أبٌ لأمته في الشفقة والتربية {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي} أي اخشوا عذاب الله ولا تفضحوني وتهينوني في ضيوفي {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} أي استفهام توبيخ أي أليس فيكم رجل عاقل يمنع عن القبيح؟ {قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ} أي قال له قومه: لقد علمت يا لوط ما لنا في النساء من أرب، وليس لنا رغبة فيهن {وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} أي وأنت تعلم غرضنا وهو إِتيان الذكور، صرّحوا له بغرضهم الخبيث قبّحهم الله {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً} أي لو كان لي قوة أستطيع أن أدفع أذاكم بها {أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} أي ألجأ إِلى عشيرة وأنصار تنصرني عليكم، وجواب "لو" محذوف تقديرة لبطشتُ بكم وفي الحديث (رحم الله أخي لوطاً لقد كان يأوي إِلى ركنٍ شديد) يريد صلى الله عليه وسلم أن الله كان ناصره ومؤيده، فهو ركنه الشديد وسنده القوي، قال قتادة: وذُكر لنا أن الله تعالى لم يبعث نبياً بعد لوط إِلا في منعة من عشيرته، وحين سمع رسل الله تعالى تحسر لوط على ضعفه وانقطاعه من الأنصار {قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} أي قالت الملائكة للوط: إِنا رسلُ ربك أُرسلنا لإِهلاكهم وإِنهم لن يصلوا إِليك بضرر ولا مكروه {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} أي اخرج بهم بطائفةٍ من الليل، قال الطبري: أي اخرج من بين أظهرهم أنت وأهلك ببقية من الليل {وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَكَ} أي لا ينظر أحدٌ منكم وراءه إِلا امرأتَك فإِنها ستهلك كما هلكوا، نهُوا عن الالتفات لئلا تتفظر أكبادهم على قريتهم، قال القرطبي: إِن امرأة لوط لمّا سمعت هدَّة العذاب التفتت وقالت: واقوماه! فأدركها حجر فقتلها {إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ} أي إِنه يصيب امرأتك من العذاب ما أصاب قومك {إِنَّ مَوْعِدَهُمْ الصُّبْحُ} أي موعد عذابهم وهلاكهم الصبحُ {أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} استعجلهم بالعذاب لغيظه على قومه فقالوا له: أليس وقت الصبح قريباً؟ قال المفسرون: إِن قوم لوط لما سمعوا بالضيوف هرعوا نحوه، فأغلق بابه وأخذ يجادل قومه عنهم من وراء الباب، فتسوروا الجدار، فلما رأت الملائكة ما بلوطٍ من الكرب قالوا يا لوط: افتح الباب ودعنا وإِيّاهم، ففتح الباب فضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم وعموا، وانصرفوا على أعقابهم يقولون: النجاءَ، النجاء كما قال تعالى: {ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم} ثم إِن لوطاً سرى بمن معه قبل الفجر، ولما حان وقت عذابهم أمر الله جبريل فاقتلع مَدائن قوم لوط -وهي خمسٌ- من تخوم الأرض حتى أدناها من السماء بما فيها، حتى سمع أهل السماء صراخ الديكة، ونباح الكلاب، ثم أرسلها مقلوبة وأتبعهم الله بالحجارة ولهذا قال تعالى {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} أي فلما جاء وقت العذاب قلبنا بهم القرى فجعلنا العالي سافلاً {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} أي أرسلنا على أهل تلك المدن حجارة صلبة شديدة من نارٍ وطين، شبّهها بالمطر لكثرتها وشدتها {مَنْضُودٍ} أي متتابعة، بعضُها في إِثر بعض {مُسَوَّمَةً} أي معلَّمة بعلامة، قال الربيع: قد كتب على كل حجر اسم من يُرمى به، قال القرطبي: وقوله {عِنْدَ رَبِّكَ} دليلٌ على أنها ليست من حجارة الأرض {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} أي ما هذه القرى المهلكة ببعيدة عن قومك "كفار قريش" فإِنهم يمرون عليها في أسفارهم أفلا يعتبرون؟ قال المفسرون: وقد صار موضع تلك المدن بحراً أُجاجاً يعرف بـ "البحر الميت" لأن مياهه لا تغذي شيئاً من الحيوان وقد اشتهر باسم "بحيرة لوط" والأرض التي تليها قاحلة لا تنبتُ شيئاً.

 

(0) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية